الصحوة – علي الحداد
لم يكن صباحُ الجمعة عاديًا، ولا كان اللقاءُ تفصيلًا عابرًا في نشرة السياسة. في بيت الحيل، حيث للصمت هيبةٌ متوارثة، وللهدوء تاريخُ دولة، كانت الكلمات تُهيَّأ قبل أن تُقال، وتُوزَن قبل أن تُدوَّن. هنا لا تُدار السياسة بوصفها سجالًا، بل مسؤوليةً إنسانية وأخلاقية، وفعلَ حكمةٍ يُقاس بعمق أثره لا بارتفاع الصوت.
في هذا الفضاء العُماني البوسعيدي المتفرّد، لم تكن لقاءات معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي، وزير الخارجية، مع الوفد الإيراني برئاسة معالي الدكتور عباس عراقجي، والوفد الأمريكي برئاسة ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص لرئيس الولايات المتحدة الأميركية، وبحضور جاريد كوشنر، لقاءاتِ تفاوضٍ بالمعنى التقليدي، إنما تهيئةً سيادية واعية للمشهد قبل انطلاقه. كانت مشاوراتٍ سياسية ونفسية تُدار خارج ضوء الاستعراض، هدفها تليين الحواف الحادّة، وضبط الإيقاع السياسي، وتهيئة أرضٍ صلبة لاستئناف المسارات الدبلوماسية والفنية في مناخٍ أكثر قابلية للإنجاز. فالدولة التي تُحسن التهيئة، تُقلّل أثمان الفشل، وتضاعف فرص الاستدامة في الأمن والاستقرار.
وخلال هذه اللقاءات، لم يُقدَّم نهجُ سلطنة عُمان بوصفه موقفًا مُعلنًا، إنما كمعيارٍ للعمل نفسه. لم تُستحضَر الدبلوماسية الهادئة شعارًا، بل منهجًا يُقاس بقدرته على نزع التوتّر قبل مقاربته، وعلى تفكيك التعقيد بدل الاصطدام به. فمسقط لا تدخل المسارات التفاوضية لإدارة الخلاف فقط، بل لتخفيف حدّته، ولا تبحث عن تسوياتٍ سريعة، بل عن مساراتٍ قابلة للاستمرار. ومن هذا الفهم، تنفتح عُمان على شركائها الإقليميين والدوليين لا بوصفهم أطراف ضغط، بل شركاء مسؤولية، في سعيٍ إلى حلولٍ سياسية تُبنى على التوازن لا الغلبة، وهو ما جعل دورها، عبر الزمن، حاضرًا في النتائج أكثر منه في العناوين.
بهذا المعنى، لا تكون عُمان طرفًا في التفاوض بقدر ما تكون ضامنًا لشروطه الأولى، فهي لا تكتب البنود، لكنها تُهيّئ المناخ الذي يجعل كتابتها ممكنة. دورٌ لا يظهر في العناوين، لكنه يُحسَم في المآلات، حيث تُقاس الدبلوماسية بقدرتها على تقليل الخسائر قبل تحقيق المكاسب.
بيت الحيل ليس موقعًا محايدًا، إنما ذاكرةٌ سيادية حيّة. مقامٌ اكتسب خصوصيته لأنه لم يُوظَّف يومًا منصةَ استعراض، بل مساحةَ أمان، تُمنَح فيها طمأنينة البيت، ووقار المجلس، وحرمة الكلمة. هنا لا تُستدعى اللقاءات بوصفها ساحات صراع، بل مسؤولياتٍ تاريخية، ويُدار الاختلاف دون إذلال، وتُصاغ الثقة قبل البنود، باعتبارها الشرط الأول لأي تفاهم قابل للاستمرار.
ومن عمق هذا المعنى، ينهض إرثُ المغفور له معالي السيد حمد بن حمود البوسعيدي، المستشار الخاص للمغفور له السلطان قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه، رجلُ دولةٍ من طرازٍ رفيع، لم يكن حضوره حضورَ منصب، بل حضورَ عقلٍ استراتيجي بالغ العمق، وضميرٍ وطني وسياسي شديد الاتزان. لم يكن جزءًا من المشهد بقدر ما كان جزءًا من بنيته العميقة، حيث تُدار السلطة بلا صخب، ويُمارَس النفوذ بلا استعراض.
ومن هذا العمق، تحوّل بيت الحيل إلى رمزٍ للفكرة العُمانية في القيادة .. الاتزان، والحكمة، والتراكم الثقافي والسياسي والاجتماعي والفكري الهادئ.
واليوم، يستمر هذا الإرث دون انقطاع في شخصية معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي، دبلوماسيةٌ تُشبه المكان الذي تعمل منه .. هادئة، دقيقة، تعرف أن أعقد الملفات لا تُفك بالقوة، بل بالصبر، وبفهم مخاوف الأطراف قبل مطالبها. لذلك لم يكن غريبًا أن تعود مسقط إلى صدارة المشهد، وأن تتجه أنظار العالم إليها بوصفها بوصلة الدبلوماسية حين تختلط الاتجاهات.
العالم يترقّب، والأسواق تُصغي، والسياسة تزن خطواتها. وفي قلب هذا الترقّب، تمضي سلطنة عُمان على إيقاعها المعروف، بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه: لا تُزايد، ولا تُغامر، ولا تنحاز إلا لفكرةٍ واحدة أن الاستقرار ليس حدثًا، بل مسارٌ طويل من الثقة المتبادلة، وأول شروطه التهيئة الحكيمة.
في بيت الحيل، لم تبدأ المفاوضات بعد، بل أُعِدَّت شروط هدوئها.
هنا تُهيَّأ النفوس قبل الملفات، ويُضبط الإيقاع قبل الطاولة.
فالدبلوماسية العُمانية لا تبدأ بالكلام، بل بالتهيئة، وحين تُحسِن التهيئة، تُحسِن صناعة السلام.
فليبقَ بيت الحيل رمزًا حيًّا للخصوصية العُمانية،
وشاهدًا على رجالٍ خدموا الدولة بعظمة الاتزان،
وعلى وطنٍ يكتب أثره في التاريخ.
فالتاريخ لا يتذكّر الأعلى صوتًا،
بل الأثبت أثرًا.



























