الصحوة – سعاد الوهيبية
في تطور دبلوماسي لافت، انتقل اللقاء المرتقب بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية من إسطنبول إلى سلطنة عُمان بطلب من الجانب الإيراني، لتعود مسقط مجددًا إلى واجهة المشهد السياسي كمنصة حوار موثوقة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
هذا التحول في موقع اللقاء لا يُقرأ بوصفه إجراءً لوجستيًا فحسب، بل يعكس جملة من الدلالات السياسية والاستراتيجية المرتبطة بطبيعة المرحلة، وسياق العلاقات المعقدة بين الطرفين.
أولًا: عُمان وخبرة الوساطة الهادئة
تتمتع سلطنة عُمان بسجل دبلوماسي طويل في إدارة القنوات الخلفية بين طهران وواشنطن، حيث لعبت مسقط أدوارًا محورية في مراحل سابقة من التفاوض، لا سيما تلك التي مهّدت إلى الاتفاق النووي عام 2015.
وقد كرّست السلطنة نهجًا قائمًا على الحياد الإيجابي، والابتعاد عن الاستقطابات الإقليمية، وهو ما منحها قبولًا لدى مختلف الأطراف، خاصة في الملفات الحساسة التي تتطلب قدرًا عاليًا من الثقة والسرية.
ثانيًا: دوافع إيران لتغيير موقع اللقاء
تشير التحليلات إلى أن طلب طهران نقل اللقاء إلى مسقط يرتبط بعدة اعتبارات:
• الرغبة في بيئة تفاوضية أقل عرضة للتجاذبات الإقليمية.
• الحرص على إبقاء جدول الأعمال محصورًا في الملف النووي، دون توسيعه ليشمل ملفات الصواريخ أو النفوذ الإقليمي.
• الاستفادة من طبيعة الوساطة العُمانية التي تتيح هامشًا أوسع للحوار غير العلني.
كما يُنظر إلى اختيار مسقط بوصفه محاولة لإعادة ضبط إيقاع التفاوض، بما يمنح طهران مساحة سياسية أكبر أمام جمهورها الداخلي، في ظل حساسية أي انخراط مباشر مع واشنطن.
ثالثًا: حسابات واشنطن وقبول الانتقال
قبول الولايات المتحدة بنقل اللقاء يعكس بدوره إدراكًا لأهمية استمرار قنوات الحوار، خاصة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والمخاوف من انزلاق غير محسوب نحو التصعيد.
فالمحافظة على مسار تفاوضي — حتى وإن كان محدودًا — تظل خيارًا أقل كلفة مقارنة بالبدائل العسكرية أو القطيعة السياسية الكاملة.
رابعًا: دلالات إقليمية أوسع
يأتي هذا التطور في سياق إقليمي يتسم بتداخل الملفات الأمنية والنووية والاقتصادية، ما يجعل من أي تحرك تفاوضي حدثًا يتجاوز بعده الثنائي.
واختيار مسقط تحديدًا يعكس استمرار الثقة الدولية في قدرة الدبلوماسية العُمانية على أداء أدوار هادئة، بعيدة عن الضجيج الإعلامي، وقادرة على توفير مساحة آمنة للحوار.
غير أن نجاح هذه الجولة سيظل مرهونًا بمدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة، وبقدرة الوساطة على تقريب وجهات النظر في ملفات لا تزال محل خلاف جوهري.
إن انتقال اللقاء من إسطنبول إلى مسقط يعيد التأكيد على المكانة التي تحتلها سلطنة عُمان في هندسة التوازنات الإقليمية، ويجدد حضورها كجسر تواصل في أوقات الأزمات.
ومع استمرار حالة الترقب، تبقى مسقط عنوانًا للدبلوماسية الهادئة، في مشهد دولي تتزايد فيه الحاجة إلى مساحات تفاهم أكثر من أي وقت مضى.



























