الصحوة – علي الحداد
ليست كل لحظةٍ غاضبة لحظةً صالحة لصناعة القرار.
حين تضطرب المنطقة وتتسارع التحولات الإقليمية، تصبح الحاجة إلى قراءة الأحداث بعين الدولة أكثر إلحاحًا من أي وقتٍ مضى. فالأزمات الكبرى لا تُقاس فقط بما تثيره من مشاعر، بل بما تتطلبه من قدرةٍ على إدارة اللحظة بما يحفظ المصالح الوطنية ويصون الاستقرار.
وفي منطق الدول، تبقى المصلحة الوطنية العليا هي البوصلة التي تهتدي بها القرارات في أوقات العواصف.
وفي خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تتجلى فلسفة السياسة العُمانية القائمة على نهج التوازن الدبلوماسي والحياد الإيجابي الفاعل، وهو نهجٌ لم يولد من فراغ، بل تشكّل عبر عقودٍ من قراءة دقيقة لطبيعة الإقليم وتقلباته. فالدول التي تقع في قلب مناطقٍ مضطربة لا تملك رفاهية الانجراف في محاور الصراع، لأنها تدرك أن الاستقرار ليس نتيجة موقفٍ عابر، بل ثمرة سياسة طويلة المدى تعرف كيف تحمي المصالح الوطنية دون أن تدفع البلاد إلى كلفة الصراعات المفتوحة.
فالحياد في التجربة العُمانية لم يكن يومًا حياد المتفرج، بل كان خيار الدولة التي تدرك أن دورها في منطقةٍ مضطربة لا يقتصر على مراقبة الصراعات، بل يمتد إلى الإسهام في احتواء التوترات وفتح مساراتٍ للحوار حين تضيق الخيارات أمام الآخرين.
لقد أدركت عُمان مبكرًا أن موقعها الجغرافي في قلب منطقةٍ تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية يفرض عليها مسؤولية مضاعفة .. الحفاظ على أمنها واستقرارها، والإسهام في تخفيف حدة الاستقطاب الذي كثيرًا ما دفع المنطقة إلى دوائر من الصراع المتكرر.
ومن هنا لم يكن النهج العُماني الراسخ مجرد موقف سياسي عابر، بل رؤية استراتيجية طويلة المدى أثبتت التجربة أنها كانت أحد أهم أسباب استقرار البلاد في محيطٍ إقليمي كثير الاضطراب. ففي الوقت الذي انخرطت فيه دولٌ كثيرة في صراعات المحاور، اختارت عُمان أن تبني سياستها على التوازن، وأن تحافظ على علاقاتٍ متوازنة مع أطرافٍ متباينة، الأمر الذي منحها القدرة على لعب أدوار دبلوماسية أسهمت في تخفيف التوترات في أكثر من محطة إقليمية.
وفي مثل هذه اللحظات الحساسة، يصبح للخطاب الإعلامي دور بالغ الأهمية. فالكلمة، حين تُقال في أوقات الأزمات، لا تبقى مجرد رأيٍ عابر، بل قد يتجاوز أثرها حدود النقاش الداخلي ليصل إلى مساراتٍ دبلوماسية دقيقة تحتاج إلى قدرٍ كبير من المسؤولية. ومن هنا تبرز أهمية أن يتحلى الخطاب الإعلامي بوعيٍ عميق بحساسية المرحلة، وأن ينسجم في روحه العامة مع توجهات الدولة ومصالحها العليا، بما يحفظ وحدة الموقف الوطني دون أن يفقد الإعلام دوره في الإضاءة الواعية على الأحداث.
ومع ذلك، فإن الدعوة إلى التوازن في الخطاب لا تعني التقليل من مشاعر المواطنين أو إنكار ما قد يشعر به البعض من انفعالٍ وقلقٍ تجاه ما يجري في المنطقة. فهذه المشاعر، في جوهرها، تعبيرٌ صادق عن الغيرة على الوطن وكرامته وسيادته، وهي عاطفة وطنية لا يمكن التشكيك في صدقها.
غير أن الدولة، بحكم مسؤوليتها، تنظر دائمًا إلى الصورة الكاملة، لأنها لا تدير لحظةً عابرة، بل تدير حاضر الوطن واستقراره ومستقبله. ولهذا فإن القرارات التي تتخذها الدول في أوقات الأزمات لا تُبنى على الانفعال، بل على تقديرٍ دقيق للعواقب وتوازنٍ محسوب بين الخيارات الممكنة.
فسيادة عُمان وأمنها خطٌ لا يقبل المساومة، وأي اعتداء يمس أرضها أو منشآتها أو مصالحها الوطنية هو أمرٌ مرفوض ومدان بلا تردد. غير أن حماية السيادة لا تُقاس بحدة الكلمات، بل بقدرة الدولة على إدارة التحديات بطريقةٍ تحفظ أمن البلاد وتجنبها كلفة الصراعات.
لقد أثبتت التجارب أن كثيرًا من الأزمات التي بدت في لحظتها حادة انتهت عبر قنوات الحوار التي أبقتها الدول مفتوحة، حتى في أصعب الظروف. وهذه هي الفلسفة التي قامت عليها السياسة العُمانية .. إبقاء الأبواب مفتوحة، وترك مساحة للعقل حتى في أكثر اللحظات توترًا.
وفي النهاية، تبقى الدول العاقلة هي تلك التي لا تنجرف مع العاصفة، بل تعرف كيف تمرّ بها دون أن تفقد بوصلتها.
ومنذ عقود، اختارت عُمان أن تبني سياستها على التوازن، وأن تواجه العواصف بعقل الدولة لا بانفعال اللحظة.
فالوطن لا تحميه الضوضاء،
ولا تصونه لحظات الغضب.
الوطن تحميه البصيرة التي تعرف كيف تدير العاصفة،
وكيف تحافظ على توازن السفينة
حتى تعبر الموج بأمان.

























