الصحوة – وائل
نادرًا ما يترك مسلسل عُماني، بعد انتهاء عرضه، سؤالًا أكبر من حكايته نفسها. هذا ما فعله «القافر». لم يمر كعمل موسمي عابر، بل جاء كاختبار جاد لذاكرة المشاهد وذائقته وصبره أيضًا، وكأنه يقول إن الدراما العُمانية قادرة، متى ما امتلكت جرأة الاختيار، على أن تصنع نقاشًا حقيقيًا يتجاوز المجاملة والرفض الجاهز. ليس لأن العمل كان كاملًا أو معصومًا من العيوب، بل لأنه ببساطة أعاد طرح السؤال الذي تأخرت الدراما العُمانية كثيرًا في مواجهته: ماذا يحدث حين يُبنى المسلسل على مادة أدبية حقيقية، وعلى رؤية إخراجية تسعى إلى صناعة عالم، لا إلى ملء فراغ في خريطة شهر رمضان؟
لقد مثّل «القافر» لحظة فارقة في سياق التلفزيون العُماني، على الأقل من حيث كونه عملًا مستوحًى من رواية عُمانية معروفة، وهو ما منح التجربة منذ البداية قيمة مختلفة. فالمسلسل لم يأتِ من فراغ، ولم يقف على أرض رخوة من الارتجال أو النمطية، بل استند إلى أصل سردي له وزنه الأدبي، وله جمهوره، وله عالمه القابل لأن يتحول إلى صورة. وهذه، في حد ذاتها، ليست تفصيلة إنتاجية عابرة، بل مفتاح لفهم لماذا استوقف المسلسل الناس، ولماذا انقسموا حوله أيضًا. فالعمل الذي يثير الجدل، ويستفز المقارنة، ويستدعي النقاش حول الصورة واللغة والملابس والإيقاع والتمثيل، هو عمل نجح أولًا في أن يفرض نفسه على المشاهد. أما الأعمال التي تمر بلا أثر، فهي أخطر على الدراما من أي نقد قاسٍ.
ما فعله «القافر» أنه كسر، ولو جزئيًا، ذلك الشعور المتراكم لدى المشاهد العُماني بأن الدراما المحلية تُنتج فقط لتؤدي واجب الحضور الرمضاني، لا لتنافس، ولا لتدهش، ولا لتؤسس لذاكرة بصرية قابلة للبقاء. ولعل أهم ما كشفه المسلسل أن المشكلة لم تكن يومًا في غياب الممثل العُماني، ولا في عجز المكان العُماني، ولا في فقر الحكاية المحلية، بل في طريقة إدارة هذه العناصر جميعًا. فعندما وُضعت الحكاية على قاعدة روائية متماسكة، وحين جرى التعامل مع المكان باعتباره بطلًا بصريًا لا خلفية صامتة، وحين بدا أن ثمة جهدًا في التصوير والاشتغال على الجو العام، ظهرت ملامح مختلفة تمامًا لما يمكن أن تكون عليه الدراما العُمانية إذا أرادت فعلًا أن تتطور.
وليس قليلًا أن يعيد المسلسل الحياة بصريًا إلى حارة البلاد بولاية منح، وأن يقدم المكان العُماني بحس جمالي لافت، وأن يثبت أن القرية القديمة، والأزقة، والطين، والآبار، والبساتين، ليست مجرد عناصر تراثية للاستهلاك الفولكلوري، بل طاقة سردية هائلة إذا وُظفت بوعي. لقد كان التصوير في جانب كبير منه من أبرز نقاط قوة العمل؛ إذ منح المشاهد فرصة نادرة لرؤية البيئة العُمانية وقد تحولت إلى فضاء درامي حي، لا إلى ديكور جامد. وهذه ميزة تُحسب للمسلسل، لأنها تؤكد أن القوة الناعمة تبدأ أحيانًا من لقطة صادقة لمكان يعرف كيف يتحدث عن نفسه.
غير أن الإنصاف النقدي يقتضي القول أيضًا إن «القافر» لم يكن نصًا تلفزيونيًا مكتمل النضج بالقدر نفسه الذي كان فيه مشروعًا واعدًا. لقد بدت بعض الحوارات مطوّلة أكثر مما ينبغي، لا لأنها عميقة، بل لأنها بدت في أحيان كثيرة وكأنها صُممت لتمديد الحدث لا لتكثيفه. وفي الدراما، لا يُقاس الحوار بعدد جمله، بل بقدرته على كشف الشخصية، ودفع الصراع، وإنتاج التوتر. وكل حوار لا يضيف معنى، هو خصم من إيقاع العمل. ومن هنا جاءت بعض الملاحظات التي رأت أن المسلسل وقع أحيانًا في فخ التكرار والبطء، وأن بعض مشاهده لم تكن تخدم البناء بقدر ما كانت تؤخره.
ثم إن العمل، وهو يتكئ على زمن يعود إلى نحو قرن ونصف تقريبًا، لم يكن دائمًا مقنعًا في تفاصيله البصرية. وهذه ليست ملاحظة هامشية، بل من صميم صدقية العالم الدرامي. فحين يشعر المشاهد أن الملابس أقرب إلى الذائقة الحديثة منها إلى روح الحقبة، وأن بعض الحلي والمكياج ينتميان إلى شاشة معاصرة أكثر من انتمائهما إلى زمن العمل، فإن الإيهام الدرامي يتعرض لشرخ واضح. الأمر نفسه ينسحب على بعض تفاصيل الهيئة الخارجية، ومن بينها مشكلة اللِّحى المركبة التي لا تزال تطارد عددًا من الأعمال المحلية، في مشهد يبدو مستغربًا في زمن تطورت فيه أدوات التجميل السينمائي، والأقنعة، والمعالجات البصرية، فضلًا عن أبسط الحلول الواقعية الممكنة حين يتهيأ الممثل للدور على نحو جاد. فالتفصيلة الصغيرة في الدراما ليست صغيرة أبدًا؛ لأنها قد تكون ما يصدّق من أجله المشاهد العالم كله أو يرفضه دفعة واحدة.
ومن الملاحظات التي تستحق التوقف أيضًا أن بعض الأداءات التمثيلية لم ترتقِ إلى مستوى الفكرة التي يحملها العمل. فليس كل ممثل ظهر على الدرجة نفسها من الإقناع، ولا كل حوار قيل بالحرارة نفسها. بدت بعض الشخصيات وكأنها تؤدي النص أكثر مما تعيشه، وتلقي الجملة أكثر مما تسكنها. وهذه فجوة جوهرية بين التمثيل باعتباره استظهارًا، والتمثيل باعتباره خلقًا داخليًا للشخصية. ومع ذلك، فإن هذا لا ينفي أن العمل أظهر أيضًا وجوهًا أثبتت أن الممثل العُماني قادر على تقديم أداء مقنع حين تتوفر له أرضية أفضل، وأن كثيرًا من المعضلات التي نُسبت طويلًا إلى الممثل، كانت في حقيقتها مرتبطة بضعف النصوص، وارتباك الرؤية، وسرعة التنفيذ.
وهنا نصل إلى المسألة الأخطر: الإنتاج المستعجل. فمن غير المنطقي أن يبدأ تصوير عمل بهذا الحجم قبل فترة قصيرة جدًا من عرضه، ثم يُدفع به إلى الشاشة وهو لا يزال، على الأرجح، في قلب المونتاج والمعالجة الفنية. هذا النمط من الإنتاج لا يظلم العمل وحده، بل يظلم الفكرة كلها. لأن المسلسل الذي يُفترض أن يكون مشروعًا نوعيًا، يحتاج إلى وقت كافٍ للكتابة، والتحضير، والتصوير، والمراجعة، والتقييم الداخلي، بل وحتى العرض على مختصين ونقاد قبل بثه، لا من باب الوصاية، بل من باب الحماية الفنية للعمل نفسه. أما أن تُنجز الحلقات تحت ضغط الساعة، فذلك يفسر كثيرًا من التفاوت في الجودة، ويفتح الباب أمام أخطاء كان يمكن تلافيها لو ساد التخطيط بدل اللهاث.
لكن، وعلى الرغم من هذه المآخذ، يظل «القافر» تجربة تستحق أن يُبنى عليها لا أن تُهدم بها. وهنا تكمن الفكرة الأهم: ليس المطلوب بعد «القافر» أن نحتفل به بوصفه إنجازًا نهائيًا، ولا أن نبالغ في الدفاع عنه حتى نصادر النقد، بل المطلوب أن نفهمه باعتباره إشارة طريق. فقد أثبت العمل أن الدراما العُمانية تستطيع أن تكسب اهتمام الناس حين تراهن على نص ذي أصل أدبي، وعلى رؤية بصرية جادة، وعلى احترام المكان، وعلى مغادرة القوالب المستهلكة. وهذا في ذاته درس ثمين. الخطر الحقيقي ليس في السلبيات التي ظهرت في «القافر»، بل في أن تُهدر التجربة كلها، ثم نعود في الموسم المقبل إلى أعمال متواضعة تهدم ما بدأ يتشكل من أمل، وكأن شيئًا لم يكن.
إن السؤال الصحيح اليوم ليس: هل نجح «القافر» أم أخفق؟ لأن الإجابة الأكثر عدلًا هي أنه نجح في فتح الباب، وأخفق في إغلاق بعض الثغرات. أما السؤال الأهم فهو: ماذا ستفعل الدراما العُمانية بهذا الباب المفتوح؟
هل ستواصل الاستثمار في الرواية العُمانية، وهي حقل خصب بالحكايات والشخصيات والبيئات؟
هل ستتعامل مع النص بوصفه أساس الصناعة لا مجرد مرحلة من مراحلها؟
هل ستمنح الممثل زمنًا للتكوين، والملابس زمنًا للبحث، واللهجة زمنًا للضبط، والإخراج زمنًا للتجويد؟
هل ستتجه إلى تسويق هذه الأعمال خليجيًا، لا بثقة زائدة، بل بجودة حقيقية تجعل العمل قادرًا على العبور؟
فالدراما ليست بندًا إنفاقيًا يُستهلك ثم يُنسى، بل صناعة صورة، وتكوين ذائقة، وخلق ذاكرة، وتمثيل بلد أمام نفسه وأمام الآخرين. وما يُصرف على عمل متقن ليس خسارة، حتى لو كان مكلفًا، لأن مردوده يتجاوز الأرقام إلى الأثر. أما الإنفاق على أعمال بلا رؤية، فليس توفيرًا، بل هدر مقنّع. ومن هذه الزاوية تحديدًا، يبدو «القافر» أكثر جدوى من كثير من الأعمال التي ربما استهلكت ميزانيات متقاربة، لكنها لم تمنح المشاهد سببًا واحدًا ليتذكرها بعد انقضاء الموسم.
لقد قالت هذه التجربة، بوضوح يكفي، إن لدى عُمان حكايات تستحق أن تُروى، وأمكنة تستحق أن تُرى، وممثلين يستحقون فرصًا أفضل، وجمهورًا ليس ساذجًا كما قد يتوهم بعض صناع الدراما، بل يلتقط التفاصيل الصغيرة، من اللحية إلى اللهجة، ومن الإكسسوار إلى النبرة، ويكافئ الصدق حين يراه، ويعاقب الاستسهال حين يشعر به. ولذلك، فإن البناء على «القافر» لا يعني تكرار وصفته حرفيًا، بل التقاط جوهر رسالته: أن الدراما العُمانية يمكن أن تكون مشروعًا جادًا إذا احترمت نفسها أولًا.
بين القوسين الأخيرين..
(مرّ «القافر» كما يمر الماء في أرض عطشى؛ كشف مجراه، وترك أثره، ثم مضى. لكن الأرض التي عرفت الماء مرة، لا تعود كما كانت. كذلك هي الدراما اليوم: إما أن تتبع الأثر حتى ينبع، أو أن تكتفي بذكرى خريرٍ مرّ من هنا… ولم يتكرر. وهنا تحديدًا، لم يعد مقبولًا أن نعود إلى الوراء، أو أن يبقى العمل الجيد استثناءً؛ بل أن يتحول هذا الاستثناء إلى بداية!).




























