الصحوة – علي الحداد
في الدول التي تفهم معنى البقاء، لا تكون الطاقة مجرّد موردٍ اقتصادي، بل صورةٌ أخرى لهيبة الدولة وهي تُدير مستقبلها باقتصادٍ يذهب إلى الغد واثقًا. ومن هنا، لم تتقدّم الزيارة السامية لحضرةِ صاحبِ الجلالةِ السُّلطان هيثم بن طارق المعظّم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى شركة تنمية نفط عُمان باعتبارها مناسبةً احتفالية، بل بدت كأنها لحظةٌ تكشف مجددًا جوهر الرؤية العُمانية، تلك التي ترى أن الاقتصاد الحقيقي يُصاغ بنفسٍ طويل، وأن الثروة حين تُدار بحكمة تتحول من موردٍ قابل للنضوب إلى استقرارٍ يمتد أثره في الدولة والإنسان معًا.
ومنذ اللحظة الأولى لوصول جلالته إلى مقر الشركة في مسقط، كان المشهد يحمل شيئًا أعمق من مراسم الاستقبال. فهذه الوجوه التي وقفت لتحية السلطان كانت أمام قائدٍ عظيم ينظر إلى الطاقة بوصفها أحد أعمدة استقرار الدولة وقوتها وامتداد حضورها في المستقبل. ومن هنا، لم يعد النفط في عُمان مجرد قصة آبارٍ وأنابيب، وإنما حكاية وطنٍ عرف كيف يعبر من الجغرافيا المحدودة إلى التأثير الواسع بفضل الإدارة الحكيمة والإرادة الصلبة والعقل الذي لم يسمح للثروة أن تتحول إلى مكسبٍ عابر، بل جعل منها أساسًا لبناء الإنسان والدولة معًا.
وحين افتتح جلالته بيت الهيثم، لم يكن الستار يُزاح عن مبنى تقنيٍّ جديد، بل عن صورةٍ متقدمة من صور عُمان الحديثة وهي تدخل المستقبل بثقة الدول التي تعرف مكانها جيدًا. هناك، في ذلك المركز الذي يجمع التحكم والمراقبة وإدارة الطاقة تحت منظومةٍ رقمية واحدة، بدا الأمر وكأن البلاد تكتب فصلًا جديدًا من علاقتها بالاقتصاد، فصلًا لا يقوم على استخراج الموارد فقط، بل على الذكاء الذي يديرها، والتقنيات التي تحمي استدامتها، والعقول الوطنية القادرة على تحويل الصناعة إلى قيمةٍ مضافة تتجاوز حدود النفط نفسه.
بيت الهيثم لم يكن مشروعًا تقنيًا، بل ترجمةً عملية لفلسفة هذا العهد، فلسفةٍ ترى أن القوة الاقتصادية لا تُقاس بحجم الموارد وحدها، إنما بقدرة الدولة على إدارة هذه الموارد بكفاءةٍ تسبق التحديات.
ففي مرحلةٍ تعيد فيها الطاقة تشكيل موازين النفوذ، لم تعد القيمة الحقيقية في امتلاك الثروة فقط، وإنما في امتلاك العقل الذي يعرف كيف يصونها، ويطوّرها، ويحوّلها إلى عنصرٍ ثابت في معادلة الاستقرار الوطني.
وفي العرض المرئي الذي اطّلع عليه جلالته، لم تكن الشركة تستعرض تاريخها بقدر ما كانت تستعرض رحلة وطنٍ كامل وهو يتعلم كيف يصنع توازنه وسط عالمٍ متقلب. فمنذ البدايات الأولى لقطاع النفط، وحتى هذه المرحلة التي أصبحت فيها التقنيات الحديثة جزءًا من بنية الإنتاج، كانت عُمان تتحرك باتزانٍ يليق بالدول الراسخة، وهو ما منح تجربتها الاقتصادية خصوصيتها الهادئة وقدرتها على الجمع بين الاستدامة والطموح وتنمية الإنسان في آنٍ واحد.
ولم تكن الكلمات التي دوّنها حضرةُ صاحبِ الجلالةِ السُّلطان هيثم بن طارق المعظّم في سجلّ الزيارة مجرّد عباراتٍ تُقال في ختام مناسبة رسمية، بل بدت امتدادًا لذلك العمق العُماني الذي يعرف كيف يعبّر عن المعاني الكبيرة بأقل قدرٍ من التكلّف. كانت الكلمات أقرب إلى رؤيةِ قائدٍ ينظر إلى الوطن بعينٍ تدرك ما تحتاجه الدولة لعقودٍ قادمة، وإلى الإنسان العُماني بوصفه الثروة التي لا تنضب مهما تغيّرت المراحل والاقتصادات.
وفي حديث جلالته عن بيت الهيثم، لم يكن الاحتفاء متجهًا إلى البناء بقدر ما كان متجهًا إلى الفكرة التي صنعت هذا البناء، إلى العقول الوطنية التي استطاعت أن تحوّل التقنية من أدواتٍ صامتة إلى قدرةٍ وطنية تُدار بها الموارد بكفاءةٍ أعلى، ويُصان بها مستقبل الاقتصاد بثقةٍ أكثر رسوخًا.
وكأن المشروع، في جوهره، لم يكن مركزًا للتحكّم بالطاقة وحدها، بل انعكاسًا للطريقة التي تنظر بها عُمان إلى المستقبل، دولةٌ لا تدخل التحولات الكبرى بردود فعلٍ متأخرة، وإنما برؤيةٍ تعرف كيف تجعل من الاستقرار صورةً أخرى من صور القوة.
أما النبرة التي حملتها كلمات جلالته، فكان فيها شيءٌ يتجاوز الفخر التقليدي بالإنجازات. كان ثمّة إيمانٌ واضح بأن قيمة الأوطان لا تُقاس بما تختزنه الأرض وحدها، بل بما تستطيع الإرادة البشرية أن تصنعه فوق هذه الأرض.
ولهذا بدا الحديث عن الكفاءات الوطنية وكأنه احتفاءٌ بالإنسان العُماني نفسه، بقدرته على التعلّم، والتطوير، وتحويل المعرفة إلى أثرٍ يبقى.
ولعل أكثر ما منح هذه الزيارة معناها العميق، أنها جاءت في مرحلةٍ لم تعد فيها الطاقة شأنًا اقتصاديًا منفصلًا عن السياسة والاستقرار العالمي. فالعالم اليوم يعيش قلقًا متزايدًا حول أمن الإمدادات وتحولات الأسواق ومستقبل الطاقة، بينما تمضي عُمان في بناء معادلتها الخاصة بعيدًا عن الارتباك وردود الفعل المتعجلة، معادلةٌ تجعل من التوازن قيمةً اقتصادية وسيادية في آنٍ واحد. ولهذا، فإن حضور جلالة السلطان داخل هذا القطاع الحيوي لم يكن رسالةً داخلية فقط، بل صورةً لدولة تعرف تمامًا أين تقف في عالمٍ يعاد تشكيل اقتصاده وموازين قوته كل يوم.
وكان لافتًا أيضًا أن تتقدّم الكفاءات الوطنية داخل تفاصيل المشهد، وكأن الزيارة السامية تقول بصمتٍ واثق إن الثروة الحقيقية ليست فيما يخرج من الأرض فقط، إنما فيما يُبنى في الإنسان العُماني من معرفةٍ وخبرة وقدرة على إدارة المستقبل. فالأوطان لا تُقاس بما تملكه من موارد بقدر ما تُقاس بما تستطيع عقول أبنائها أن تصنعه بهذه الموارد.
وفي الصورة التذكارية التي جمعت جلالة السلطان بعددٍ من العاملين في الشركة، لم يكن المشهد مجرّد لقطةٍ للتوثيق، بل بدا كأن الوطن كله يقف داخل إطارٍ واحد؛ القيادة، والخبرة، والعمل، والطموح، والمستقبل. صورةٌ تختصر فلسفة الدولة العُمانية وهي تمضي نحو الغد بثقةٍ تجعل الإنجاز أكثر رسوخًا من أي خطاب.
هكذا بدت الزيارة السامية إلى شركة تنمية نفط عُمان .. ليست زيارةً إلى منشأةٍ اقتصادية فحسب، بل عبورًا رمزيًا داخل قلب الاقتصاد العُماني نفسه، حيث تتلاقى السيادة بالتقنية، والاستدامة بالطموح، والإنسان بالمستقبل. وهناك، في بيت الهيثم، لم تكن عُمان تفتتح مركزًا جديدًا فقط، بل كانت تفتح نافذةً أخرى على مرحلةٍ تريد أن تدخلها وهي أكثر قدرةً على حماية استقرارها، وصناعة ازدهارها، وترسيخ مكانتها كدولةٍ تعرف أن المستقبل لا يُنتظر .. بل يُصنع.




























