حصريٌّ لـ«الصحوة» – في أمسية حملت كثيرًا من الدلالات الإنسانية والفنية، دشّنت وزارة التنمية الاجتماعية، برعاية كريمة من السيدة الجليلة حرم جلالة السُّلطان – حفظها الله ورعاها – فرقة «ترانيم الأمل»، في مبادرة تجسّد الاهتمام بأصحاب الهمم، وتفتح أمامهم مساحات أوسع للتعبير عن مواهبهم عبر الموسيقى والفنون.
وخلال الحفل، قدّمت معالي الدكتورة ليلى بنت أحمد النجار وزيرة التنمية الاجتماعية، هدية تذكارية للسيدة الجليلة، تمثّلت في مجسّم ذهبي لآلة الكمان، في اختيار بدا وكأنه يحمل رسالة رمزية تتجاوز الشكل الجمالي، إلى المعنى العميق الذي ارتبط بهذه الآلة عبر التاريخ بوصفها واحدة من أكثر الآلات قدرة على التعبير الإنساني والإحساس العاطفي.
فالكمان ليست مجرد آلة موسيقية عابرة، بل تُعرف عالميًّا بأنها «الآلة الأقرب إلى صوت الإنسان»، لما تمتلكه من قدرة استثنائية على ترجمة المشاعر، والتنقل بين الحزن والفرح، والهدوء والانفعال، حتى أصبحت إحدى أكثر الآلات حضورًا في الموسيقى الكلاسيكية والشرقية على حد سواء.
وتعود الجذور الحديثة للكمان إلى إيطاليا في القرن السادس عشر، وتحديدًا إلى مدينة كريمونا التي اشتهرت بصناعة الآلات الوترية، ومنها خرجت أسماء أسطورية مثل أنطونيو ستراديفاري، الذي لا تزال آلاته حتى اليوم تُعد من أثمن الآلات الموسيقية في العالم، إذ تباع بعض نماذجها بملايين الدولارات بسبب جودة صوتها ودقتها الحرفية النادرة.
ورغم ارتباط الكمان بالموسيقى الغربية، فإن حضورها في الموسيقى العربية قديم ومؤثر، إذ دخلت إلى التخت الشرقي منذ أواخر القرن التاسع عشر، وأصبحت عنصرًا رئيسيًّا في الفرق الموسيقية العربية، بعد أن جرى تكييف طريقة عزفها وضبط أوتارها لتتلاءم مع المقامات الشرقية والزخارف الموسيقية العربية.
وتتميّز آلة الكمان ببنية دقيقة ومعقّدة، إذ تُصنع غالبًا من أخشاب خاصة مثل القيقب والتنوب والأبنوس، وتتكوّن من عشرات القطع الصغيرة التي تُركّب يدويًّا بعناية شديدة، فيما يعتمد أداؤها على القوس الذي يتحرك فوق الأوتار ليولد ذلك الصوت المميز الذي جعل الكمان تُلقّب لدى كثيرين بـ«ملكة الآلات الموسيقية».
وفي سلطنة عُمان، ارتبط حضور الكمان بالمشهد الموسيقي الأكاديمي والأوركسترالي، خصوصًا من خلال الأوركسترا السيمفونية السلطانية العُمانية، التي تأسست بتوجيهات سامية من السُّلطان الراحل قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – لتصبح واحدة من أبرز التجارب الموسيقية في المنطقة العربية.
وتُعد آلة الكمان من الأعمدة الأساسية داخل الأوركسترا السيمفونية، إذ تقود غالبًا البناء اللحني في الأعمال الموسيقية الكبرى، وتحضر بصورة بارزة في العروض التي تُقام داخل دار الأوبرا السلطانية مسقط، وفي المناسبات الثقافية والفنية الرسمية.
ولعل اختيار الكمان تحديدًا في الهدية التذكارية المقدّمة للسيدة الجليلة خلال تدشين «ترانيم الأمل» لم يكن اختيارًا عابرًا؛ فهذه الآلة ارتبطت طويلًا بفكرة التعبير الإنساني العميق، وهو ما ينسجم مع رسالة الفرقة الجديدة التي تقوم على تمكين أصحاب الهمم ومنحهم مساحة ليعبّروا عن أنفسهم عبر الفن والموسيقى، بلغة تتجاوز الكلمات وتصل مباشرة إلى الوجدان.



























