الصحوة – صبا محمد الحجرية
بدأت ماهية الفن منذ العصور الحجرية القديمة، حيث استخدم الإنسان القديم النقوش والمخطوطات للتعبير عن حياته اليومية أو عمّا يلجّ في جوفه من مشاعر وأفكار، فالفن – شئنا أم أبينا – هو أبلغ طريقة للتفريغ والتأثير في الحواس والعقول، بل امتد ليشمل المجتمع وقضاياه، ومع تطور الوسائل الرقمية أصبح هذا الفن جزءًا لا يتجزأ من الإعلام وقوة تأثيره إلى أن أصبح الفصل بينهما أصعب مما نظن أو نتوقع.
الإعلام لدى الكثير هو عبارة عن أداة أو وسيلة ناجحة لنقل المعلومات والأخبار والصور، حتى إنه مر بمراحل تاريخية من فرضية التأثير المحدود إلى التأثير القوي، وشمل خلال هذا التحول الكبير دور الفن بشكل أوسع، أما الفن بمفهومه فهو لغة أيضًا ولكنها إبداعية أكثر تعتمد على الصورة والصوت والحركة لتُعبر عن المعنى المستمد من الحياة الواقعية، وعندما يلتقيان كما يلتقي الشتيتان عند مفترق القدر؛ فيُكمل أحدهما الآخر في لوح هذا الوجود.
وعند الحديث عن الأفلام السينمائية مثلًا بوصفها كأحد الرسائل الإعلامية المنمقة التي يُنظر إليها على أنها ترفيهية بالدرجة الأولى، فهي بإمكانها أن تُحدث حربًا أو تُشعل الرأي العام تجاه قضايا إنسانية ومجتمعية مُلحّة، هذه الحنكة التي يصنعها الفن حين يندمج مع الوسائل الإعلامية والصناعات الثقافية ليست عبثًا، بل هي تخلق وقعًا تأمليًا من قِبل المتلقين، بمختلف الأشكال التي نعلمها أو التي لا نعلم.
ويؤكد الدكتور سعيد السيابي بصفته كاتبًا روائيًا وباحثًا مسرحيًا عُمانيًا وأحد دكاترة قسم الفنون المسرحية في جامعة السلطان قابوس على أهمية الفن كأحد الوسائط الإعلامية لما له من قدرة على التعبير العاطفي الإنساني، يرى الدكتور سعيد: “أن الفن بوصفه وسيطًا إعلاميًا، يمتلك القدرة على تبسيط القضايا المعقدة وتحويلها إلى تجارب إنسانية قريبة من الجمهور. فهو يناقش قضايا الهوية، والعدالة الاجتماعية، والبيئة، والأسرة، وقيم المواطنة بأسلوب يجمع بين المتعة والتأثير، كما يسهم في تشكيل الرأي العام، ويعزز الوعي. ومن هنا فإن الفن شريك في أي فعل تنموي ينطلق من تسجيل الحدث ليصل إلى تقديم مقترحات وطموحات وآمال الشعوب، فكل عمل فني ناجح يحمل رسالة، وكل رسالة فنية مؤثرة قادرة على إحداث تغيير في وعي الفرد والمجتمع، وهو ما يجعل الفن وسيطًا إعلاميًا استثنائيًا يجمع بين قوة التأثير وجمال التعبير وخير سفير للمعاني التي تصل لصناع القرار دون مباشرة وجفاف في الأسلوب ليكون أحد الوسائل الإعلامية الموثوقة والمهمة”.
وبصدد الحديث عن التطورات الإعلامية المتسارعة، لم تعد الوسائط التقليدية تحظى بالحضور نفسه كما كان في السابق، إلا عند من يراها جزءًا من هويته، كالكهل الذي يحتفظ برسائل الماضي خشية أن تبتلعها سرعة الزمن، فالإعلام الرقمي الآن يقوم بدوره وأكثر، إذ أتاح لصانعي المحتوى القدرة على نشر الفن والجمال والتعبير عن معتقداتهم بصورة فنية خالصة، كالرسامين مثلًا إذ أصبح بإمكانهم تحويل لوحاتهم الصامتة إلى رسائل مؤثرة يتداولها مئات الآلاف، أو المصورين في الجانب الآخر الذين التقطوا العالم بحرفية تضاهي الكلمة المنطوقة في كثير من الأحيان.
ورغم مزايا هذه العلاقة، إلا أنها تتطلب مصداقية عالية من أهلها، ونزاهة كافية احترامًا وتقديرًا وإجلالًا لهذا الفن، لما له من أثر عميق في الوعي والمجتمع، وبوصفه أيضًا وسيلة راقية تتجاوز حدود الجمال إلى عمق الفاعلية.
أخيرًا، فإن الفن – المصطلح الذي نكرره دائمًا – هو أكثر من مجرد لوحة تُرى أو لحن يُسمع، هذه اللغة الوحيدة التي لا تحتاج للترجمة لما تولجه من حس يدمي القلوب عند وصوله لأعمق نقطة بها، يستحق أن يُصان بالقيود الرفيعة كما تُصان العفيفة من نوائب الزمان ومزالق الطريق، محفوظًا، عاليًا، ساميًا عن كل كدر يشوب صفاءه.




























