الصحوة – نوف الحراصي
في صباح يوم اعتيادي، تجلس سيدة مسنة أمام هاتفها المحمول في محاولة لإنجاز معاملة حكومية رقمية استغرقت ساعات من المحاولات والاتصالات بأفراد أسرتها قبل أن تتمكن من إكمالها، رغم أن الخدمة كانت متاحة بضغطة زر إلا أن الوصول إليها لم يكن بالسهولة ذاتها، وفي مكان آخر يحاول شخص من ذوي الإعاقة البصرية استخدام إحدى الخدمات الرقمية عبر برنامج قراءة الشاشة الذي نجح في قراءة أجزاء من المحتوى، لكنه واجه صعوبة في التعرف على بعض الأزرار والحقول الإلكترونية، مما جعل إتمام المعاملة أكثر تعقيدًا مما توقع، بينما ينتظر أحد المستفيدين في المناطق النائية تحميل صفحة إلكترونية تعذر فتحها بسبب بطء الاتصال في الشبكة.
قصص مختلفة تبرز تساؤلات حول مدى استفادة جميع فئات المجتمع من ثمار التحول الرقمي، ففي الوقت الذي تمضي فيه سلطنة عمان بخطوات متسارعة نحو حكومة رقمية أكثر كفاءة، يبرز تحدٍ لا يقل أهمية عن تطوير الخدمات نفسها، وهو ضمان وصولها إلى الجميع دون استثناء، حيث أن التحول الرقمي لا يُقاس بعدد الخدمات الرقمية المتاحة، بل بقدرة جميع أفراد المجتمع على الوصول إليها والاستفادة منها، فهل نجحت الخدمات الرقمية في تحقيق هذا الهدف؟ أم أن بعض الفئات ما زالت تواجه عوائق تحول بينها وبين الاستفادة الكاملة من هذه الخدمات؟
هذا التحقيق يحاول الإجابة عن تلك التساؤلات من خلال استعراض واقع الشمول الرقمي في سلطنة عمان، والوقوف على مدى قدرة الخدمات الرقمية على تلبية احتياجات مختلف فئات المجتمع، بما في ذلك كبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة وسكان المناطق ذات التضاريس الصعبة، ورصد التحديات والفرص التي تشكل ملامح رحلة الوصول إلى مجتمع رقمي أكثر شمولًا، من خلال استعراض آراء المختصين وتجارب المستفيدين والجهود المبذولة لضمان أن يكون التحول الرقمي متاحًا للجميع.
النفاذ الرقمي
مع التوسع المتسارع في تقديم الخدمات الحكومية عبر القنوات الرقمية، برز مفهوم “النفاذ الرقمي” بوصفه أحد الركائز الأساسية لنجاح التحول الرقمي، ولا يقتصر هذا المفهوم على إتاحة الخدمات إلكترونيًا فحسب، بل يشمل تصميمها وتطويرها بطريقة تضمن قدرة جميع فئات المجتمع على الوصول إليها واستخدامها بسهولة واستقلالية، ويُنظر إلى النفاذ الرقمي اليوم باعتباره أحد المؤشرات المهمة على مدى شمولية الخدمات الرقمية وقدرتها على تلبية احتياجات المستخدمين باختلاف قدراتهم وظروفهم، وفي هذا الصدد أكد الفاضل إبراهيم بن طالب الوردي مدير عام المديرية العامة للتحول الرقمي وتمكين القطاعات بوزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات أن المنصات الحكومية تولي اهتمامًا كبيرًا بمراعاة احتياجات كبار السن وذوي الإعاقة عند تصميم وتطوير خدماتها الرقمية، حيث يعد تطبيق متطلبات النفاذ الرقمي أحد الاشتراطات الأساسية والإلزامية في جميع مراحل تصميم وتطوير الخدمات الرقمية، وتشمل هذه المتطلبات توفير أدوات وخصائص داعمة تسهم في تمكين مختلف فئات المستخدمين من الوصول إلى الخدمات الرقمية والاستفادة منها بسهولة ويسر، بما يضمن تحقيق الشمولية الرقمية وعدم استبعاد أي فئة من المجتمع.
كما أكد الوردي على حرص المؤسسات الحكومية على إجراء تقييمات دورية للقنوات والمنصات الرقمية للتأكد من مدى التزامها بمعايير ومتطلبات النفاذ الرقمي المعتمدة، والعمل على معالجة أي ملاحظات أو تحديات قد تؤثر على تجربة المستخدم، بما يعزز جودة الخدمات الرقمية ويرفع مستوى رضا المستفيدين من مختلف الفئات، مشيرًا إلى مساهمة التحول الرقمي في الحد من العديد من التحديات التي كانت تواجه المستفيدين عند الحصول على الخدمات عبر القنوات التقليدية، حيث أصبحت الخدمات الرقمية متاحة على مدار الساعة ومن أي مكان، مما وفر الوقت والجهد وقلل الحاجة إلى التنقل أو زيارة مقرات المؤسسات الحكومية بشكل متكرر.
وذكر الوردي أنه منذ المراحل الأولى لتصميم الخدمات الرقمية، يتم التركيز على تبني منهجية التصميم المرتكز على المستفيد، والتي تضع احتياجات المستخدمين وتوقعاتهم في صميم عملية التطوير،ويشمل ذلك دراسة مختلف شرائح المستفيدين وفهم قدراتهم ومستويات مهاراتهم الرقمية والتحديات التي قد تواجههم أثناء استخدام الخدمة، بما يضمن توفير تجربة استخدام سهلة ومبسطة وشاملة للجميع، كما تحرص المؤسسات الحكومية على توفير قنوات متعددة للحصول على الخدمة وعدم الاقتصار على قناة واحدة، بما يتيح للمستفيد اختيار الوسيلة الأنسب له وفقًا لاحتياجاته وظروفه،ويشمل ذلك المنصات الإلكترونية، والتطبيقات الذكية، ومراكز الاتصال، ومكاتب تقديم الخدمة عند الحاجة، الأمر الذي يسهم في تعزيز الشمولية وضمان عدم استبعاد أي فئة من المجتمع.
وأضاف أن الخدمات الرقمية تخضع لعمليات تقييم ومراجعة مستمرة لقياس مستوى رضا المستفيدين ورصد التحديات التي قد تواجههم، ويتم الاستفادة من الملاحظات والمقترحات الواردة من المستخدمين لتطوير الخدمات وتحسين تجربة الاستخدام بشكل مستمر، ومن خلال هذا النهج، لا ينظر إلى الخدمات الرقمية باعتبارها بديلاً للقنوات التقليدية فحسب، بل كوسيلة لتمكين المستفيدين وتوسيع نطاق وصولهم إلى الخدمات الحكومية بصورة أكثر كفاءة ومرونة وجودة، لافتًا إلى أن الهدف من التحول الرقمي ليس استحداث عوائق جديدة أمام المستفيدين، وإنما إزالة العوائق القائمة وتوفير خدمات أكثر سهولة وشمولية وكفاءة، مع الاستمرار في تطويرها بما يتناسب مع احتياجات مختلف فئات المجتمع ومستويات جاهزيتها الرقمية.
استثمارات رقمية
ولا يقتصر تعزيز النفاذ الرقمي على تطوير السياسات والمعايير فحسب، بل يتطلب أيضًا تنفيذ مبادرات ومشروعات نوعية تسهم في تلبية احتياجات مختلف فئات المجتمع وتحسين تجربة استخدام الخدمات الرقمية، وفي هذا السياق، أوضح الوردي أن خارطة طريق برنامج التحول الرقمي الوطني تضمنت عددًا من المبادرات والمشاريع الاستراتيجية التي تستهدف تعزيز الوصول الرقمي، والارتقاء بتجربة المستفيدين من الخدمات الحكومية الرقمية، بما يضمن توفير خدمات أكثر شمولًا وسهولة في الاستخدام، وقد تم تخصيص الموازنات والموارد اللازمة لتنفيذ هذه المبادرات وتحقيق أهدافها وفق الخطط الزمنية المعتمدة، مؤكدًا أن هذا التوجه يأتي انطلاقًا من إيمان الحكومة بأهمية الوصول الرقمي وضرورة ضمان استفادة جميع فئات المجتمع من الخدمات الرقمية دون استثناء، ولهذا تم تضمين متطلبات النفاذ الرقمي ضمن الأطر التنظيمية والمعايير الوطنية الخاصة بتطوير الخدمات والمنصات الرقمية الحكومية، وتعكس هذه الاستثمارات التزام الحكومة ببناء بيئة رقمية شاملة ومستدامة تضمن وصول الخدمات الحكومية إلى جميع المستفيدين بكفاءة وعدالة، وتعزز من جودة الحياة وتدعم مستهدفات التحول الرقمي والتنمية المستدامة.
المعايير والسياسات
نصّت المادة 23 من المرسوم السلطاني رقم 92/2025 إلى ضرورة تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من العيش في استقلالية والمشاركة بشكل كامل في جميع جوانب الحياة، وتكفل الدولة إمكانية وصولهم، على قدم المساواة مع غيرهم، إلى البيئة المادية المحيطة ووسائل النقل والمعلومات والاتصالات، والمرافق والخدمات الأخرى المتاحة لعامة الجمهور أو المقدمة إليهم، وتحديد العقبات والمعوقات أمام إمكانية الوصول وإزالتها، وأوضح علي بن عبدالله العمري أخصائي أول سهولة النفاذ الرقمي بوزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلوماتأن السلطنة أصدرت عددًا من المعايير والاشتراطات الحكومية المتعلقة بتعزيز الوصول الرقمي، والمتمثلة في إصدار السياسة الوطنية للنفاذ الرقمي في عام 2022 والتي تحدد المعايير والضوابط التي يجب اتباعها للمواقع الإلكترونية لتطبيق النفاذ الرقمي لضمان توفير فرص عادلة ومتساوية للأشخاص ذوي الإعاقة و كبار السن للنفاذ إلى الخدمات والمعلومات المتوفرة على المنصات إلى جانب إزالة الحواجز التي تحول دون ذلك، إلى جانب إصدار الدليل الاسترشادي للنفاذ الرقمي في عام 2025، والذي يهدف إلى تعزيز الشمول الرقمي من خلال ضمان سهولة الوصول إلى الخدمات الرقمية وإتاحتها لمختلف فئات المجتمع، بما في ذلك الأشخاص ذوو الإعاقة وكبار السن، كما يوفر الدليل إرشادات عملية لمطوري المواقع الإلكترونية وتطبيقات الهواتف الذكية لمساعدتهم على تصميم وتطوير حلول رقمية تراعي مبادئ النفاذ الرقمي، ويدعم الدليل كذلك المؤسسات لتبني متطلبات النفاذ الرقمي منذ المراحل الأولى للتصميم والتطوير، مما يعزز جودة الخدمات الرقمية ويحد من الحاجة إلى إجراء تعديلات مكلفة في مراحل لاحقة.
وأكد العمري على حرص وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات على متابعة تطبيق السياسة الوطنية للنفاذ الرقمي بشكل دوري، إلى جانب تقييم الإجادة في التحول الرقمي والذي يقيس مدى ملاءمة المواقع لمعايير النفاذ المعتمدة، مشيرًا إلى أن الوزارة تُجرياختبارات دورية لقياس سهولة استخدام الخدمات الرقمية لفئات ذوي الإعاقة وكبار السن، كما أن بعض المؤسسات تقوم باختبارات مستقلة لخدماتها ومواقعها، وبدأت بعض المؤسسات الحكومية بإشراك الأشخاص ذوي الإعاقة في اختبار الخدمات الرقمية وذلك للتأكد من توافقها مع معايير النفاذ الرقمي، مع أخذ التغذية الراجعة من المستفيدين.
وأوضح العمري أن التطور الذي شهدته الخدمات الرقمية من حيث التصميم وتجربة المستخدم أسهم في تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن من إنجاز العديد من معاملاتهم بشكل مستقل، مشيرًا إلى أن الالتزام بمعايير النفاذ الرقمي والتصميم الشامل لعب دورًا مهمًا في تعزيز سهولة الوصول إلى هذه الخدمات والاستفادة منها، كما أن انتقال بعض المؤسسات والخدمات إلى البوابة الموحدة للخدمات الحكومية، عزز من قدرتهم على إنجاز الخدمات، بفضل تصميمها المتوافق مع معايير النفاذ الرقمي منذ البداية، مشيرًا إلى أن هناك عددًا من الخدمات الحكومية لا يمكن لفئات من ذوي الإعاقة إنجازها، أو يواجهون صعوبة في ذلك خاصة الخدمات التي تعتمد على تطبيقات الهواتف الذكية، والتي تعاني من قصور كبير في مجال النفاذ الرقمي مقارنة بالمواقع الإلكترونية، كما أن خدمات الدخول، والتحقق من الهوية، قد تشكل عائقًا كبيرًا أمام ذوي الإعاقة في إنجاز الخدمات، نتيجة التحقق البصري، أو تحديد الهوية دون وجود بدائل مناسبة، بالإضافة إلى التحديث المستمر للتطبيقات والمواقع، والذي يؤدي غالبًا لإزالة خصائص النفاذ الرقمي نتيجة لتغيير المطورين، أو الاعتقاد بأن النفاذ الرقمي يمكن تطبيقه لاحقًا بسهولة بعد ذلك.
البنية الأساسية
لا يمكن الحديث عن نجاح التحول الرقمي بمعزل عن جودة البنية الأساسية، فشبكات الاتصالات وجودة التغطية تمثلان أحد العوامل الحاسمة في تمكين المستفيدين من استخدام الخدمات الرقمية، خاصة في المناطق النائية أو المناطق التي تعاني من ضعف البنية التحتية، وفي هذا السياق، يبرز دور تغطية شبكات الاتصالات كأحد المحاور الرئيسة في تحقيق الشمول الرقمي، ليس فقط من حيث إتاحة الخدمة، بل من حيث ضمان استمرارية الوصول إليها بكفاءة وسرعة، وفي هذا الصدد ذكرت فخرية بنت سليمان الوهيبي رئيسة فريق التحول الرقمي بهيئة تنظيم الاتصالات بأن الهيئة تعمل على تعزيز الشمول الرقمي من خلال مجموعة من المبادرات والمشاريع الوطنية التي تضمن وصول الخدمات الرقمية إلى جميع فئات المجتمع وتمكين الأفراد والمؤسسات من الاستفادة منها بسهولة وكفاءة، ومن أبرز هذه المبادرات: مبادرة إيصال خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية للمدارس الحكومية التي تهدف إلى تمكين المدراس الواقعة في المناطق ذات التضاريس الصعبة وخارج نطاق شبكات الإنترنت السريع من الحصول على خدمات إنترنت عالية السرعة عبر الأقمار الصناعية حيث تستهدف المبادرة في المرحلة الأولى 49 مدرسة، ومبادرة “التفويض الرقمي” التي تتيح للأفراد والمؤسسات تفويض الأشخاص المخولين إلكترونيًا لإنجاز المعاملات والخدمات الرقمية نيابة عنهم بطريقة آمنة وموثوقة، مما يسهم في تبسيط الإجراءات وتوسيع نطاق الاستفادة من الخدمات الرقمية، ومبادرة دعم نشر شبكات الجيل الخامس (5G) والألياف البصرية وتعزيز البنية الأساسية الرقمية بما يرفع جودة وسرعة الاتصال، ومبادرة توفير الخدمات التنظيمية والتراخيص والتصاريح عبر قنوات رقمية متكاملة تتيح للمستفيدين إنجاز معاملاتهم إلكترونيًا دون الحاجة إلى الحضور الشخصي، بالإضافة إلى مبادرة دعم المشاركة الرقمية من خلال المشاورات العامة الإلكترونية والمنصات الرقمية التي تُمكن المستفيدين من المساهمة في تطوير السياسات والخدمات.
وأوضحت فخرية الوهيبي أن هيئة تنظيم الاتصالات تعتمد على مجموعة من المؤشرات التنظيمية والفنية والإحصائية لقياس مستوى الشمول الرقمي ومدى استفادة مختلف فئات المجتمع من خدمات الاتصالات والتقنيات الرقمية، ومن أبرز هذه المؤشرات: نسبة التغطية السكانية والجغرافية لشبكات الاتصالات (الثابتة والمتنقلة) في مختلف محافظات السلطنة، ونسبة انتشار خدمات النطاق العريض الثابت والمتنقل بين الأفراد والمؤسسات، ونسبة استخدام الإنترنت ومعدلات النفاذ إلى الخدمات الرقمية على مستوى سلطنة عمان، ومستويات جودة الخدمة (QoS) وسرعات الإنترنت وتوافر الشبكات واستمرارية الخدمة، ونسب تغطية شبكات الجيل الرابع والخامس والألياف البصرية في المناطق الحضرية والريفية، وغيرها من المؤشرات، لافتة إلى أن الهيئة تستخدم هذه المؤشرات بشكل دوري لمتابعة تطور البنية الأساسية الرقمية، وقياس أثر المبادرات التنظيمية، ودعم اتخاذ القرارات التي تسهم في تعزيز الشمول الرقمي وتحقيق مستهدفات التحول الرقمي في سلطنة عمان، مؤكدة على استمرار متابعة الهيئة لمؤشرات التغطية السكانية والجغرافية وجودة الخدمة لضمان تحقيق مستويات متقدمة من الشمول الرقمي في جميع محافظات السلطنة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 والتحول الرقمي الوطني.
تطبيق “نافذ”
يُعد تطبيق “نافذ” أحد الحلول الرقمية المتخصصة في تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية من الوصول إلى الخدمات الحكومية والخاصة بصورة مستقلة وفعّالة، وأوضح سلطان بن ناصر العامري المؤسس والرئيس التنفيذي لتطبيق “نافذ” أنالتطبيق يوفر خدمة الاتصال المرئي الفوري مع مترجمي لغة الإشارة، مما يتيح للمستخدم التواصل المباشر مع الجهات المختلفة وفهم الإجراءات والمتطلبات وإنجاز معاملاته دون الحاجة إلى الاعتماد على أفراد الأسرة أو المرافقين، كما يوفر التطبيق خدمة حجز مترجم لغة إشارة للاجتماعات والمواعيد والفعاليات والخدمات التي تتطلب حضورًا مسبقًا، بما يضمن تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية من المشاركة الكاملة في مختلف جوانب الحياة العملية والمجتمعية.
وأضاف العامري أن أثر التطبيق يمتد ليشمل دعم موظفي ذوي الإعاقة السمعية في المؤسسات الحكومية والخاصة من خلال توفير خدمات الترجمة الإشارية أثناء الاجتماعات وورش العمل والبرامج التدريبية، الأمر الذي يعزز مشاركتهم في بيئة العمل ويسهم في إشراكهم في عمليات التطوير واتخاذ القرار، كما يوفر “نافذ” منصةتجمع الأخبار والمحتوى المترجم إلى لغة الإشارة، بما يسهم في تعزيز وصول الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية إلى المعلومات والأخبار والخدمات العامة، ويحد من الفجوة المعلوماتية والرقمية التي قد تواجه هذه الفئة، ويأتي ذلك انسجامًا مع قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة الذي أكد على حق الأشخاص ذوي الإعاقة في الوصول إلى المعلومات والخدمات والتواصل دون تمييز، حيث يمثل تطبيق “نافذ” نموذجًا عمليًا لتطبيق مبادئ إمكانية الوصول والشمول الرقمي على أرض الواقع.
وأكد العامري بأنه لا يقتصر دور الشركات التقنية على تطوير التطبيقات والأنظمة الرقمية، بل يمتد إلى ضمان أن تكون هذه الخدمات متاحة وقابلة للاستخدام من قبل الأشخاص ذوي الإعاقة منذ مرحلة التصميم الأولى، وينبغي على الشركات التقنية توفير لغة الإشارة ضمن المحتوى والخدمات الرقمية للأشخاص ذوي الإعاقة السمعية، وإتاحة وسائل تواصل مرئية بديلة عن الاتصال الصوتي، بما يضمن حصول هذه الفئة على المعلومات والخدمات بشكل متكافئ مع الآخرين، كما يجب مراعاة احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية من خلال دعم قارئات الشاشة، وتوفير النصوص البديلة، وتطبيق معايير إمكانية الوصول العالمية داخل المواقع الإلكترونية والتطبيقات، مؤكدًا على أهمية تبني الشركات التقنية نهجًا تشاركيًا في تطوير الخدمات الرقمية، من خلال مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في اختبار الخدمات وإبداء آرائهم وملاحظاتهم قبل إطلاقها، بما يضمن توافق هذه الخدمات مع احتياجات المستفيدين الفعلية ويعزز من مستوى إتاحتها وسهولة استخدامها، لافتًا إلى تطبيق “انتخب” الذي راعى متطلبات إمكانية الوصول للأشخاص ذوي الإعاقة السمعية والبصرية، مما يؤكد أن الشمول الرقمي ليس ميزة إضافية، بل عنصر أساسي في نجاح أي خدمة رقمية.
الممارسات الدولية
حققت سلطنة عُمان تقدّمًا واضحًا في مؤشر تطور الحكومة الإلكترونية EGDI الصادر عن الأمم المتحدة لعام 2024، وجاءت في المرتبة 41 عالميًا من أصل 193 دولة مقارنة بالمرتبة 50 في عام 2022 ، ويبرز ذلك تحسنًا في جاهزية الحكومة الرقمية وتطوّر الخدمات والبنية التحتية ورأس المال البشري، كما أظهر مؤشر نضوج الخدمات الحكومية الإلكترونية والنقّالة GEMS لعام 2024، الصادر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، تقدّم عُمان إلى 72% مقارنة بـ66% في عام 2023، وشمل التقييم 27 جهة حكومية و94 خدمة في قطاعات متعددة مثل الصحة، والتعليم، والنقل، والمرور، والشرطة، والمالية، والعدل، والبلديات، والشؤون الاجتماعية، والتجارة والصناعة، والعمل والسياحة، كما ارتفع مؤشر استخدام الخدمات ورضا المستخدمين إلى 63% مقارنة بـ51.95% في 2023، وتحسّن رضا مستخدمي المنصات النقّالة إلى 62% مقارنة بـ47.76% في العام 2023.
وبيّن الدكتور نوار العوّا المستشار الإقليمي في التكنولوجيا من أجل التنمية أن الممارسات الدولية تُظهر أن شمول الخدمات الحكومية الرقمية لا يتحقق بمجرد إتاحة الخدمات على الإنترنت، بل يتطلب معالجة متكاملة لعوامل النفاذ والاستخدام والثقة والمهارات، ومنأبرز هذه الممارسات: تبنّي مفهوم الاتصال الشامل والمُجدي، والذي يضمن تمكّن الجميع من استخدام الإنترنت بشكل آمن وفعّال وموثوق وميسور التكلفة، مع توافر جودة الاتصال، والأجهزة المناسبة، والمهارات الرقمية والحماية والأمان، ومعالجة الفجوات الرقمية متعددة الأبعاد بما يشمل الفجوات المرتبطة بالعمر، والإعاقة، والنوع الاجتماعي، والموقع الجغرافي، ومستوى الدخل، والتعليم، والمهارات الرقمية، حيث لا يكفي التركيز على التغطية والبنية التحتية وحدهما، بل ينبغي قياس الاستخدام الفعلي للخدمات ورضا المستخدمين، ومدى استفادة الفئات الأقل تمثيلاً، إلى جانب تصميم الخدمات وفق مبدأ “النفاذية الرقمية منذ التصميم”، بحيث تكون المواقع والتطبيقات الحكومية قابلة للاستخدام من قبل الجميع، بمن فيهم الأشخاص ذوو الإعاقة وكبار السن، واعتماد مبدأ “المستخدم أولًا” في تصميم الخدمات، من خلال تبسيط الإجراءات، وتقليل عدد الخطوات، وتوفير قنوات رقمية ومساندة بديلة، واعتماد لغة واضحة، وتسهيل الوصول عبر الهاتف النقّال، وإشراك المستخدمين والفئات المستهدفة في اختبار الخدمات وتحسينها، وبناءسياسات وطنية شاملة ومتكاملة للتحوّل الرقمي، بحيث تربط بين تطوير الخدمات الحكومية، والنفاذية الرقمية، والمهارات، والثقة، وحماية البيانات، وتكامل القنوات، مع وجود مؤشرات واضحة لقياس مدى استفادة جميع الأفراد من الخدمات الرقمية.
فرص الشمول الرقمي
وأشار العوا إلى أبرز الفرص المتاحة أمام سلطنة عمان لتعزيز الشمول الرقمي خلال السنوات المقبلة والمتمثلة في تعزيز النفاذ والاستخدام في جميع المحافظات من خلال مواصلة توسيع التغطية عالية الجودة، وتحسين تجربة المستخدم في المناطق الأقل كثافة سكانية، وضمان توافر قنوات دعم ومساندة للمستخدمين الذين يواجهون صعوبات في استخدام الخدمات الرقمية، والانتقال من الرقمنة إلى الاستخدام المؤثّر عبر قياس عدد المعاملات الرقميةونسبة الانتقال الكامل من الخدمة الورقية إلى الرقمية، ورضا المستخدمين ونسب إتمام الخدمة دون مراجعة حضورية، مع التركيز على الفئات الأقل استفادة، وتعزيز الاقتصاد الرقمي من خلال ربط الشمول الرقمي بفرص العمل وريادة الأعمال والخدمات المالية الرقمية والتجارة الإلكترونية، بما يسهم في رفع مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي، ومواصلة تمكين المرأة رقميًا من خلال برامج موجّهة للمهارات الرقمية وريادة الأعمال الرقمية والعمل عن بُعد، مع إعطاء الأولوية للنساء في المناطق الأقل استفادة والفئات الباحثة عن فرص اقتصادية جديدة، وتعميق النفاذية الرقمية كمعيار إلزامي في تصميم الخدمات، من خلال إدماج متطلبات النفاذية في المشتريات الحكومية، واختبار المواقع والتطبيقات بانتظام، وإشراك الأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن في مراحل التصميم والتقييم.
تجارب المستفيدين
ومع التوسع المستمر في الخدمات الحكومية الرقمية، تتباين تجارب المستخدمين في الاستفادة منها تبعًا لاحتياجاتهم وظروفهم المختلفة، فبينما أسهمت هذه الخدمات في تسهيل إنجاز العديد من المعاملات واختصار الوقت والجهد، لا تزال هناك تحديات قد تواجه بعض الفئات عند استخدامها، وفي هذا السياق تقول شيخة محمودالجساسي من ذوي الإعاقة البصرية “أحاول قدر المستطاعاستخدام الخدمات الرقمية التي أحتاجها لإنجاز شؤوني الحياتية والاجتماعية، وفي بعض الأحيان تكون الخدمة الرقمية سهلة نسبيًاويمكنني إنجازها بالاعتماد على التقنية المساعدة مثل قارئ الشاشة الذي اعتمد عليه، ولكن الخدمة الرقمية ليست دائمًا سلسة ويسهل العثور عليها نظرًا لعدم تصميمها وفق معايير إمكانية الوصول المعتمدة لدى مطوري التطبيقات والمنتجات الرقمية، وفي بعض الحالات، وعندما تستغرق المحاولات وقتًا طويلًا دون نتيجة، ألجأ إلى مراكز سند لتوفير الوقت والجهد، كما أن خطوات الحصول على الخدمة ليست واضحة وسهلة دائمًا، بل في الكثير من الأحيان يصعب علي العثور على الخدمة نفسها، وأحيانًا أحتاج إلى من يرشدني إلى خطوات استخدامها.
وأضافت شيخة الجساسي “تتمثل أبرز التحديات التي أواجههاعند استخدام الخدمات الرقمية في عدم تصميم الخدمة بمعايير إمكانية الوصول، حيث أن قارئ الشاشة لا يتمكن من قراءة الخطوات المطلوبة أو قد أواجه صعوبة في تعبئة الحقول الإلكترونية أو اختيار التواريخ من التقويم، وأحيانًا قد تكون هناك مشكلة في التحقق من الهوية خاصة عندما تتطلب الخدمة تصوير الوجه ومطابقته مع صورة البطاقة الشخصية دون توفير إرشادات أو توجيهات مناسبة تُمكن الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية من إتمام هذه الإجراءات بصورة مستقلة.” مشيرة إلى ضرورة تطبيق معايير سهولة الوصول/ النفاذ الرقمي وفحص الخدمات الرقمية من قبل الأشخاص ذوي الإعاقة، وتضمين سهولة الوصول في مناهج الكليات والجامعات المتخصصة في مجال تقنية المعلومات.
ومن جانبه، يقول نوح بن طالب الحديدي من ذوي الإعاقة البصرية “تجربتي مع الخدمات الرقمية الحكومية جيدة بشكل عام، وأحرص قدر الإمكان على استخدامها لإنجاز معاملاتي باستقلالية، بعض الخدمات يمكنني استخدامها بمساعدة قارئ الشاشة، ولكن التجربة ليست دائمًا سلسة، إذ أن بعض “المواقع والتطبيقات لا تُصمم أو تُطور بما يتوافق مع معايير النفاذ الرقمي، أو لا تكون متوافقة بشكل كافٍ مع التقنيات المساعدة، ولذلك قد أتمكن أحيانًا من إنجاز الخدمة بنفسي، وفي أحيانٍ أخرى أحتاج إلى مساعدةالآخرين أو أضطر للبحث عن بديل أسرع لإنجازها، كما أن عدد الخدمات التي يمكن اعتبارها متاحة وسهلة الاستخدام بشكل فعلي ما زال محدودًا، الأمر الذي يشير إلى وجود حاجة لمواصلة تطوير الخدمات الرقمية بما يعزز استقلالية الأشخاص المكفوفين والأشخاص ذوي الإعاقة، ويدعم مشاركتهم بصورة أوسع في المجتمع.
وأكد الحديدي أن الخدمات الرقمية لديها قدرة كبيرة على تعزيزاستقلالية الأشخاص ذوي الإعاقة، لأنها تتيح لهم إنجاز معاملاتهممن أي مكان دون الحاجة إلى التنقل أو الاعتماد على الآخرين،ولكن عندما تكون الخدمة غير متاحة وسهلة الاستخدام، فإنها قد تؤدي إلى نتيجة عكسية إذ تزيد من حاجة المستخدم إلى المساعدة،لذلك فإن جودة تصميم الخدمة وإمكانية الوصول إليها وتوافقها مع قارئات الشاشة والتقنيات المساعدة هي التي تحدد هل ستعزز الاستقلالية أم تحد منها، معربًا عن تطلعه إلى تحقيق مزيد من التقدم في مجالي الشمولية والنفاذ الرقمي، بما يضمن إتاحة الخدمات وسهولة استخدامها لجميع الأشخاص بغض النظر عن قدراتهم، إلى جانب تطبيق معايير WCAG 2.2 AA منذ مراحلالتصميم والتطوير الأولى، والتأكد من توافق المواقع والتطبيقات مع التقنيات المساعدة مثل قارئات الشاشة، بالإضافة إلى إشراك الأشخاص ذوي الإعاقة في اختبار الخدمات قبل إطلاقها، لأن التجربة الواقعية للمستخدمين تكشف تحديات قد لا تظهر دائمًا في الفحص التقني وحده.
كما أكد الحديدي أن تحسين هذه الخدمات لا يعتمد فقط على إدخال بعض التعديلات بعد الإطلاق، بل يتطلب وجود حوكمة واضحة، ومعايير ملزمة، واختبارات تقنية وتجارب استخدام فعليةتشمل الأشخاص ذوي الإعاقة، كما يجب أن يكون النفاذ الرقمي جزءًا أساسيًا من ثقافة تصميم وتطوير وتشغيل الخدمات الرقمية منذ البداية، لافتًا إلى أهمية تكثيف الجهود الرامية إلى تحسين النفاذ الرقمي على مستوى المؤسسات الحكومية، بما يسهم في توفير خدمات رقمية أكثر شمولاً وعدالة، ويعزز استقلالية الأشخاص المكفوفين والأشخاص ذوي الإعاقة ويمكنهم من المشاركة بصورة أكبر في مختلف جوانب الحياة ومواكبة التطورات الرقمية المتسارعة.
وفي الختام، في عالم يتجه بثبات نحو التحول الرقمي، لا ينبغي أن يكون الوصول إلى الخدمات امتيازًا للبعض، بل حقًا متاحًا للجميع،وعندما يتمكن كبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة وسكان المناطق النائية من استخدام الخدمات الرقمية بسهولة واستقلالية، يمكن القول إن التحول الرقمي قد حقق أحد أهم أهدافه والمتمثلة فيالوصول إلى الجميع دون استثناء.




























