الصحوة – علي الحداد
تأتي الزيارة السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – إلى الجمهورية الفرنسية في لحظة تتسع فيها الشراكة العُمانية الفرنسية، وتزداد فيها الحاجة إلى رؤى قادرة على ترسيخ الاستقرار وبناء المستقبل. وجاء الحوار الذي أجرته الإعلامية القديرة إيمان الحمود مع معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي، وزير الخارجية، عبر إذاعة مونت كارلو الدولية، ليمنح هذه الزيارة بعدًا آخر، ويضيء جانبًا من الطريقة التي ترى بها سلطنة عُمان أصدقاءها، ومحيطها، والعالم.
افتتحت إيمان الحمود الحوار من فرنسا، حيث تتجه الأنظار إلى الزيارة السامية، فأخذ معالي الوزير المستمع إلى الأساس الذي تقوم عليه العلاقات العُمانية الفرنسية. فهي علاقة لم تكتفِ بصون إرثها التاريخي، بل أثبتت قدرتها على مواكبة التحولات الكبرى، حتى أصبح الاستثمار، والطاقة النظيفة، والأمن السيبراني، والفضاء، والثقافة، والسياحة، محطات طبيعية في مسيرة تعاون تتقدم بثقة. وتوقفت المقابلة أيضًا عند بعدها السياسي، حين أكد معالي السيد الوزير أن الجمهورية الفرنسية تمثل شريكًا مهمًا في دعم عدالة القضية الفلسطينية، وهو ما يمنح هذه العلاقة بعدًا يتجاوز المصالح الثنائية إلى التقارب في عدد من القضايا الدولية ذات الأولوية. كما أشار إلى تنامي حركة السياحة والاستثمار بين البلدين، بما يعكس حيوية هذه الشراكة واتساع آفاقها.
ومن العلاقات الثنائية، انتقلت الأسئلة إلى الإقليم، فانتقل معها المستمع إلى مشهد أكثر اتساعًا. حضرت التهدئة، وتنفيذ التفاهمات، واستمرار الحوار، والتوافق الخليجي، لا باعتبارها ملفات متفرقة، وإنما عناصر تلتقي عند رؤية واحدة. وأشار معالي البدر إلى أن سلطنة عُمان وفرنسا تتفقان في الدعوة إلى التهدئة وخفض التصعيد، وهو ما منح الزيارة السامية بعدًا سياسيًا يتجاوز العلاقات الثنائية. فالأمن لا يولد من معالجة كل أزمة على حدة، بل من ترسيخ مناخ يمنع الأزمات من الاتساع، ويمنح الحوار فرصة أن يبقى حاضرًا مهما اشتدت التحديات.
وكان مضيق هرمز المحطة التي اتجهت إليها الأنظار في الحوار، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الاقتصاد، وتلتقي المصالح الدولية عند واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. أخذ معالي السيد الوزير المستمع إلى ما هو أبعد من حدود المكان، فجعل القانون الدولي واتفاقية قانون البحار المرجعية التي ينبغي أن تُبنى عليها أي ترتيبات مستقبلية، مؤكدًا أن أمن الملاحة وحرية العبور ليسا مصلحة لدولة بعينها، بل مسؤولية تتصل باستقرار العالم. وأوضح أن التفاهمات القائمة مع إيران تنطلق من مبدأ واضح، وهو أن أي ترتيبات مستقبلية في المضيق ينبغي أن تبقى ضمن إطار القانون الدولي، بما يحفظ أمن الملاحة ويصون حقوق جميع الدول المستفيدة من هذا الممر الحيوي.
وعندما طُرح موضوع فرض الرسوم على عبور السفن، لم يكن الرفض نهاية الجواب، إذ امتد الحديث إلى تطوير الخدمات البحرية، وتعزيز السلامة، والاستعداد للطوارئ، والاستفادة من التجارب الدولية، بالممارسات التي تجعل الملاحة أكثر أمنًا وكفاءة، وتحافظ في الوقت نفسه على حرية العبور التي أكدت سلطنة عُمان تمسكها بها بوصفها مبدأً ثابتًا. وأكد معالي الوزير أن الفرق واضح بين فرض رسوم على المرور، وهو ما لا تؤيده سلطنة عُمان، وبين تطوير خدمات بحرية وبيئية وملاحية يمكن بحثها مع الدول والشركات المستفيدة، بما يعزز سلامة الملاحة، ويحمي البيئة البحرية، ويرفع الجاهزية للتعامل مع الطوارئ. كما أشار إلى أن تأمين خطوط الملاحة وخلوها من أي مخاطر، بما في ذلك الألغام، يمثل جزءًا من المسؤولية المرتبطة بالترتيبات القائمة، مع تأكيد انفتاح سلطنة عُمان على الإسهام في أي جهد إقليمي أو دولي يخدم أمن هذا الممر الحيوي.
ولم تغب إيران، ولا الولايات المتحدة، ولا دول الخليج عن هذا الحوار، لكنها حضرت جميعًا في سياق واحد. لم تكن الغاية تعداد المواقف، بل إبراز النهج الذي تتحرك من خلاله الدبلوماسية العُمانية، نهج يؤمن بأن الحوار يظل الطريق الأجدى لبناء الثقة، وأن الاحترام المتبادل يوسع مساحة التفاهم، وأن استقرار المنطقة مسؤولية مشتركة. وعند حديثه عن العلاقات مع الولايات المتحدة، أكد معالي السيد وزير الخارجية أن ما قد يطرأ من تباينات أو مواقف عابرة لا يغيّر من طبيعة العلاقة الاستراتيجية القائمة على الاحترام والتعاون، ولا يحجب الهدف المشترك المتمثل في أمن المنطقة واستقرارها.
ومع اقتراب المقابلة من نهايتها، عاد الحديث إلى فرنسا مرة أخرى، لكن العودة جاءت محملة بصورة أكثر اكتمالًا. فبعد المرور على ملفات الإقليم، ومضيق هرمز، والأمن، والاستقرار، بدا مستقبل العلاقات العُمانية الفرنسية أكثر وضوحًا، من خلال مشاريع واستثمارات تمتد إلى الطاقة النظيفة، والتقنيات المتقدمة، والفضاء، وغيرها من المجالات التي تعكس طموح البلدين إلى بناء شراكة تتجاوز الحاضر، وتستثمر في المستقبل.
كانت إيمان الحمود تنتقل بالمستمع بين الملفات بسلاسة، بينما كان معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي يجمع تلك الملفات في سياق واحد، حتى بدت باريس، ومضيق هرمز، والخليج، والاستثمار، صفحات متتابعة في قصة واحدة، عنوانها أن الثقة تُبنى بالتراكم، وأن القانون يمنح السياسة توازنها، وأن الشراكات الراسخة تزداد قوة كلما اتسعت مجالات التعاون. ولعل العبارة التي لخصت روح المقابلة كلها كانت تأكيد معالي البدر أن سلطنة عُمان تتحدث بهذا المنطق مع القريب والبعيد، وفي السر والعلن، وهي عبارة لم تكن توصيفًا لسياسة مرحلية، بقدر ما كانت تعريفًا لنهج دبلوماسي حافظ على اتزانه عبر العقود، وجعل الثقة أحد أهم عناصر الحضور العُماني في محيطه الإقليمي والدولي.
ولهذا بدا هذا الحوار أكثر من مقابلة إذاعية، فقد جاء متزامنًا مع الزيارة السامية إلى الجمهورية الفرنسية، ليضيء جانبًا من فلسفة الدبلوماسية العُمانية وهي تتحرك بثقة بين العلاقات الثنائية، وقضايا الإقليم، ومصالح العالم. وحين تمضي الزيارة في برنامجها الرسمي، يبقى هذا الحوار شاهدًا على أن الكلمة، حين تستند إلى رؤية، لا تسبق الأحداث ولا تزاحمها، بل تمنحها وضوحًا، وتكشف معانيها، وتضيف إلى مسيرتها بعدًا يبقى حاضرًا في الذاكرة.



























