الصحوة – علي الحداد
من أروقة التاريخ إلى آفاق المستقبل، تواصل الحضارات كتابة سيرتها في وجدان الأمم. وفي رحاب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو، التقت سلطنة عُمان بذاكرة الإنسانية وهي تحمل رسالةً نسجتها قرونٌ من التجربة، وأضاءتها رؤيةٌ تؤمن بأن الكرامة البشرية هي أعظم ما تخلّفه الأمم عبر العصور. ومن هذا المعنى، جاءت الكلمة السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – امتدادًا لصوتٍ عُماني ظل يردد عبر التاريخ أن الأمم تبقى بما تمنحه للبشرية من معرفة، وما تغرسه فيها من قيم، وما تورثه من إرثٍ حي للأجيال.
وفي باريس، المدينة التي جعلت من الثقافة لغةً تتجاوز الحدود، بدا المشهد منسجمًا مع رسالته. فهنا تلتقي الأمم لتراجع ما أنجزته البشرية في رحلتها الطويلة، وهنا جاءت سلطنة عُمان لتؤكد أن الحضارة ليست سجلًا يُقرأ، وإنما مسؤوليةٌ تُحمل.
وكان معرض عُمان واليونسكو أشبه بمرآةٍ انعكس عليها الوجه الثقافي لسلطنة عُمان. فمن بين الوثائق والصور، روت أكثر من خمسة عقود من الشراكة مع المنظمة، منذ انضمام السلطنة إليها عام 1972، حكاية وطنٍ أدرك مبكرًا أن صون التراث ليس حفظًا لما مضى، بل حفظٌ للاتجاه الذي تمضي إليه الأمم. ولهذا غدت المواقع الثقافية والطبيعية العُمانية، والشخصيات والأحداث التي احتفت بها اليونسكو، شواهد على إسهامٍ أصيل في الإرث الإنساني المشترك، ورسالةً تؤكد أن التاريخ يظل حيًا كلما بقي حاضرًا في وجدان الشعوب.
ومن هذا الفهم العميق، جاء تأكيد حضرة صاحب الجلالة على النهج الثابت لسلطنة عُمان في دعم المنظومة الدولية، وترسيخ الشراكة الاستراتيجية مع المجتمع الدولي، وتعزيز الحوار بين الحضارات، وتكريس ثقافة التفاهم والتعايش، ودفع مسارات التنمية المستدامة. وهي مبادئ تتعامل معها عُمان بمسؤوليةٍ حضاريةٍ تؤمن بأن ازدهار الأمم يبدأ حين يصبح التعاون لغةً مشتركة، وتغدو القيم أساسًا للعلاقات بين الشعوب.
ومن قلب هذه الرؤية، جاء الإعلان عن جائزة اليونسكو – السلطان هيثم للتراث الثقافي غير المادي، وكأنه وعدٌ جديدٌ للذاكرة الإنسانية. فالتراث في الرؤية العُمانية لا يقيم خلفنا، بل يسير أمامنا، يهدي خطى الأجيال كما يهدي الضوء طريق المسافرين. إنه الروح التي تمنح اللغة دفأها، والحرفة معناها، والأغنية عمرها، والعادات أصالتها، ومن هنا، جاءت الجائزة دعوةً عالمية إلى صون التنوع الثقافي، لأن الشعوب التي تصون جذورها، تصون معها قدرتها على صناعة المستقبل.
ومن حفظ الإرث، اتجهت الكلمة السامية إلى بناء الغد، فكل نهضة تبدأ بالإنسان، وكل مستقبل يولد أولًا في مدرسة. ولهذا لم يكن التعليم في الرؤية العُمانية طريقًا إلى المعرفة وحدها، بل الطريق الذي يتشكل عليه وعي الأمم، وتُصاغ فيه شخصيتها. وكل مدرسةٍ تُفتح، إنما يُفتح معها أفقٌ جديدٌ للمستقبل. ولذلك جاء التأكيد على الدور المحوري لليونسكو في تحقيق التعليم الجيد والشامل، وتمكين الشباب من الإبداع والمشاركة في التنمية، حتى يكونوا شركاء في كتابة الغد، لا مجرد شهودٍ عليه.
وحين بلغ الخطاب الذكاء الاصطناعي، لم ينشغل بسرعة الآلة، بل بسلامة البوصلة. فالذكاء الذي لا تهديه الأخلاق، قد يسبق الإنسان دون أن يخدمه. ومن هنا، بدا الموقف العُماني واضحًا، أن التقنية تبلغ أسمى معانيها حين تحرس الكرامة البشرية، وتصون الحقوق، وتجعل المعرفة جسرًا إلى العدالة، لا طريقًا إلى الهيمنة. ولذلك جاء تأكيد جلالة السلطان المعظم على تناغم سياسات سلطنة عُمان مع جهود اليونسكو في ترسيخ الأطر الأخلاقية للذكاء الاصطناعي، بوصفه امتدادًا لرؤيةٍ تضع القيم في قلب كل تقدم، وتجعل الضمير رفيقًا لكل إنجازٍ علمي.
ومن هنا، لم تغب عن الخطاب أهمية ترسيخ ثقافة الدراية الإعلامية والمعلوماتية، بوصفها خط الدفاع الأول في بناء مجتمعاتٍ أكثر وعيًا وتماسكًا، وقادرة على التعامل مع التحولات الرقمية بعقلٍ ناقد، ومسؤوليةٍ أخلاقية، وثقةٍ بالمعرفة.
والحضارة التي تعرف قيمة الكرامة البشرية، تعرف كذلك قيمة الأرض التي تحتضنها. لذلك جاء الحديث عن التغير المناخي امتدادًا طبيعيًا لكل ما سبقه، فالأرض ليست موردًا يُستنزف، وإنما أمانةٌ تتوارثها الأجيال، وكل جيلٍ مطالبٌ بأن يسلّمها إلى من بعده أكثر قدرةً على الحياة، وأكثر جدارةً بالأمل. ومن هذا الإيمان، تمضي سلطنة عُمان في مشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، وتسعى إلى تحقيق الحياد الصفري الكربوني، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد، ودعم الابتكار في التقنيات النظيفة، لتكتب صفحةً جديدة من مسؤوليتها تجاه الحياة .. وتجاه الغد.
ثم جاءت خاتمة الكلمة السامية لتجمع هذه المعاني في أصلٍ واحد، أن السلام لا يبدأ عند حدود السياسة، وإنما يبدأ حين يصبح احترام الإنسان ثقافةً، ويغدو قبول الآخر خُلُقًا، ويتحول الحوار إلى سبيلٍ دائم بين الأديان والثقافات والشعوب. ومن هذه القيم تنشأ المجتمعات الواثقة بنفسها، والقادرة على صناعة الاستقرار، وترسيخ العدالة، وإشاعة السلام المستدام. وهكذا، لم تكن الكلمة السامية تعرض موضوعاتٍ متفرقة، بل كانت تنسج رؤيةً متكاملة، يبدأ خيطها الأول من التراث، ويمتد عبر المعرفة، ويستضيء بالأخلاق، حتى يلتقي عند غايةٍ واحدة .. عالمٍ أكثر توازنًا، وأكثر إنصافًا، وأكثر إنسانية.
ولم يكن تجديد جلالة السلطان المعظم الالتزام بمواصلة دعم رسالة اليونسكو إعلانًا عن استمرار تعاونٍ قائم، بقدر ما كان تجديدًا لعهدٍ آمنت به سلطنة عُمان منذ انضمامها إلى المنظمة، أن الثقافة والمعرفة والبحث العلمي ليست ميادين للنخبة وحدها، بل الجسور التي تعبر عليها الأمم نحو مستقبلها. ومن هنا جاء استمرار دعم الكراسي العلمية، والعمل المشترك مع المجتمع الدولي، انسجامًا مع رؤية عُمان 2040، التي ترى في الاستثمار بالعقل أثمن استثمارٍ في المستقبل.
وقبيل أن تُختتم مراسم الزيارة، كان للمشهد لغةٌ أخرى لا تحتاج إلى ترجمة. فما إن فرغ حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – من كلمته السامية، حتى وقفت وفود العالم في رحاب اليونسكو، يملؤها التصفيق والتقدير. ولم يكن ذلك تصفيقًا لخطابٍ فقط، بل وقفةَ احترامٍ وإجلالٍ لقائدٍ حمل إلى العالم رؤيةً جعلت الكرامة الإنسانية محور التقدم، وجعلت من عُمان صوتًا يُصغى إليه كلما تحدّثت الإنسانية عن الثقافة، والمعرفة، والسلام. وفي تلك اللحظة، تجلّت هيبةُ عُمان في أبهى صورها، هيبةٌ لا تصنعها المظاهر، وإنما تصنعها الحكمة، ويمنحها التاريخ لمن يجعل من القيم لغةً يحاور بها العالم.
وحين خطّ حضرة صاحب الجلالة كلماته في سجل كبار الزوار، لم يكن يدوّن اسم قائدٍ في سجل زيارة، بل بدا وكأن التاريخ نفسه يضيف سطرًا جديدًا إلى كتابه الطويل. فالسجلات تحفظ الأسماء، أما المبادئ فتحفظ الأمم، والأحداث تنتهي، أما الرسائل الكبرى فتواصل رحلتها عبر الزمن. ولذلك لم تغادر سلطنة عُمان اليونسكو بانتهاء مراسم الزيارة، لأن الأثر الحقيقي لا يبقى في القاعات، بل يستقر في الوجدان.
وفي باريس، لم تُضف سلطنة عُمان صفحةً إلى سجل منظمةٍ دولية فحسب، بل أضافت صفحةً جديدةً إلى سجل الإنسانية، صفحةً كتبت فيها أن التراث إرثٌ حي، وأن المعرفة مسؤولية، وأن الكرامة البشرية غاية، وأن الحوار طريق، وأن السلام هو الاسم الذي تكتمل به رسالة الحضارات حين تجعل من الإنسان، في كل زمانٍ ومكان، أغلى ما يُصان، وأسمى ما يُبنى من أجله المستقبل.


























