الصحوة – عبدالفتاح الصناعي
لم تكن زيارة جلالة السلطان هيثم بن طارق إلى باريس محطةً دبلوماسية عابرة، بل جسدت لقاءً بين تجربتين حضاريتين أسهمتا، كلٌ بطريقتها، في ترسيخ قيم الحوار والتعايش، وبناء الجسور بين الإنسان والإنسان.
فبين أنوار باريس التي أشعلت فكر التنوير، وحكمة مسقط التي صاغت دبلوماسية الاعتدال، يمتد خيطٌ رفيع من القيم المشتركة: احترام الإنسان، والإيمان بأن الحوار هو الطريق الأقصر إلى السلام. وقد جاءت مخرجات الزيارة لتؤكد أن هذه القيم لم تعد مجرد إرثٍ تاريخي، بل أصبحت أساسًا لشراكة تنظر إلى المستقبل بعين الحكمة والمسؤولية.
لم تُهدِ فرنسا إلى العالم قوتها العسكرية فحسب، بل أهدته أيضًا إرثًا فكريًا غيّر مسار الحضارة.
في القرن الثامن عشر، كانت أوروبا تعيش انقساماتٍ حادة وصراعاتٍ فكرية ودينية، فجاء عصر التنوير ليؤسس لمرحلة جديدة، يكون فيها العقل والحوار وحرية التفكير أدواتٍ للإصلاح.
كان فولتير من أبرز الأصوات التي ناهضت التعصب، ودعت إلى حرية الضمير واحترام الاختلاف.
أما ديدرو ودالامبير، فقد قدّما للعالم “الموسوعة”، المشروع المعرفي الكبير الذي أسهم في نشر المعرفة وترسيخ قيمة العقل في بناء الحضارة.
وجاء جان جاك روسو في “العقد الاجتماعي” ليؤكد أن شرعية الحكم تستند إلى إرادة المجتمع والعقد الاجتماعي، وأن المواطن هو أساس الدولة.
وهكذا، أسهمت فرنسا في ترسيخ مفاهيم المواطنة وسيادة القانون وحرية الفكر، فمهّد التحول الفكري والثقافي لقيام الدولة الحديثة في أوروبا.
وعلى بُعد آلاف الأميال، كتبت عُمان فصلها الخاص من كتاب الإصلاح، لكن بأدوات مختلفة.
فعُمان، عطر الجزيرة العربية، لم تنتظر ثورةً لتؤسس للتعايش، بل جعلته ممارسةً يومية في المجتمع والدولة. وعلى امتداد تاريخها، احتضنت موانئها التجار والثقافات والشعوب القادمة من الشرق والغرب، فالتقت على أرضها حضارات متعددة دون أن يفقد أحد هويته أو خصوصيته.
لم ترفع عُمان شعار التسامح بوصفه خطابًا سياسيًا فقط، بل جعلته سلوك دولة. واجهت التوتر بالحكمة، والإقصاء بالانفتاح، حتى أصبحت واحة استقرار في قلب إقليم كثير الاضطراب.
ذلك هو التنوير العُماني؛ تنويرٌ لم يُكتب في بيانات صاخبة، بل في سلوك دولة آمنت بأن احترام الإنسان هو الطريق الأقصر إلى السلام.
أكدت الزيارة إلى باريس، بما حملته من رسائل ومضامين، انسجامها مع روح خطة مسقط التي ترعاها الأمم المتحدة، بوصفها مبادرةً تتجاوز حدود السياسة إلى أفق حضاري أرحب.
فهي لا تبحث عن حلول للأزمات فقط، بل تؤكد أن بناء السلام يبدأ من ترسيخ ثقافة الحوار، ومواجهة خطاب الكراهية، وتعزيز التفاهم بين الأديان والثقافات، وإحياء دور الحكمة في زمن تتسارع فيه أسباب الانقسام.
فكما أسهم التنوير الفرنسي في ترسيخ قيم حرية الفكر واحترام الإنسان وإدارة الاختلاف بالحوار والقانون، تقدم عُمان اليوم نموذجًا دبلوماسيًا يجعل من الحوار منهجًا، ومن الثقة أداةً، ومن التفاهم غاية.
إن رسالة خطة مسقط أن النفوذ الحقيقي لم يعد يُقاس بما تملكه الدول من أدوات القوة فقط، بل بما تملكه من قدرة على جمع المختلفين حول طاولة واحدة، وتحويل الصراع إلى فرصة للتفاهم.
ولعل اليمن يمثل أحد أبرز الأمثلة على هذه الفلسفة. فبينما أنهكت سنوات الحرب المجتمع والدولة، ظل النهج العُماني متمسكًا بإبقاء أبواب الحوار مفتوحة، إيمانًا بأن السلام لا يُبنى بالغلبة، بل بصناعة الثقة بين الأطراف. وما حملته الزيارة من توافق في الرؤى حول دعم الاستقرار الإقليمي، وفي مقدمته اليمن، يؤكد أن الدبلوماسية الهادئة قادرة على تهيئة الأرضية التي تعجز عن صنعها سنوات الصراع.
تقف عُمان عند ملتقى البحار، وتقف فرنسا في قلب التجربة الأوروبية الحديثة. وبينهما تاريخ من الاحترام المتبادل، وحاضر يتسع لشراكات تتجاوز المصالح إلى رؤية مشتركة لعالم أكثر استقرارًا.
وكما حافظت فرنسا على مساحة من الاستقلالية في سياستها الخارجية وقدرتها على لعب أدوار دبلوماسية تتجاوز الاصطفافات، رسخت عُمان في الخليج نهجًا قائمًا على التوازن والحوار والوساطة، فالتقت التجربتان عند مبدأ أن النفوذ لا يُبنى فقط بالقوة، بل بالثقة والقدرة على التواصل مع الجميع.
فالقرن الحادي والعشرون لن تصنعه المحاور وحدها، بل ستصنعه الدول التي تبني الجسور، وترعى الحوار، وتصنع الثقة بين الأمم.
فإذا كان التنوير الفرنسي قد قدّم للعالم درسًا في تحرير العقل، فإن التجربة العُمانية تقدم درسًا في توظيف الحكمة لبناء السلام.
وبين باريس ومسقط، لا يلتقي الشرق بالغرب فقط، بل تلتقي فكرتان: أن الإنسان أغلى من الانقسام، وأن الحوار هو السلاح الأجدر بحماية الحضارة.
وقد جاءت الزيارة إلى باريس لتمنح هذا النهج زخمًا دوليًا جديدًا، ولتؤكد أن فلسفة عُمان في الحوار وصناعة السلام تجد اليوم صدىً متزايدًا لدى شركائها الدوليين، وأن بناء الثقة أصبح ركيزةً لا غنى عنها في مواجهة أزمات العالم.
ولعل ما حملته الزيارة من توافق حول دعم الاستقرار في المنطقة، وفي مقدمتها اليمن، يعكس أن السلام لم يعد خيارًا سياسيًا فحسب، بل مسؤولية حضارية مشتركة تتقاسمها الدول التي تؤمن بقوة الحوار، وتدرك أن التفاهم المستدام هو الاستثمار الأهم لمستقبل الشعوب.
ففي زمن تتسابق فيه الأزمات، تمضي عُمان بثبات: سياسيًا، وثقافيًا، وإنسانيًا، دفاعًا عن السلام، وإيمانًا بأن تحويل ثقافة الصراع إلى ثقافة الحوار والتعايش هو أعظم الانتصارات.
وكما أسهمت فرنسا في ترسيخ قيم التنوير، تعمل عُمان اليوم على ترسيخ ثقافة السلام بتوازن يجمع بين السياسة والثقافة والمجتمع والجغرافيا السياسية، لتبقى الغاية واحدة: السلام، ولأجل السلام.
شكرًا لفرنسا، شريكة الفكر والتنوير.
وشكرًا لعُمان، شريكة الحكمة والسلام.
وشكرًا لجلالة السلطان هيثم بن طارق، الذي أكدت زيارته إلى باريس استمرار النهج العُماني في ترسيخ مدرسة الاعتدال والحوار، ورحم الله السلطان قابوس، مؤسس هذه المدرسة التي ما تزال ثمارها تزهر في المنطقة والعالم.



























