الصحوة – علي الحداد
قبل أن تبدأ الزيارة، كان التاريخ قد سبقها إلى باريس، فلم تكن الطائرة السلطانية تهبط في باريس بقدر ما كانت تُنزل صفحةً جديدة في سجلٍ بدأ يُكتب قبل أكثر من قرن. فمنذ اللحظة التي أطلّت فيها على العاصمة الفرنسية، بدأت رحلةٌ لا تعبر المسافات بين المدن، بل تصل بين طبقات الزمن. وفي باريس، لم تكن الأمكنة مجرد محطاتٍ للزيارة، بل كانت تتبادل أدوارها في رسم المشهد. هنا قصرٌ تُصاغ فيه القرارات الكبرى، وتتشكل عند أبوابه ملامح السياسة والدبلوماسية في أكثر ملفات العالم تعقيدًا، وهناك منظمةٌ تصون ذاكرة الإنسانية، وعلى مقربةٍ منهما اقتصادٌ يفتح أبوابه للمستقبل، بينما كان البحر والفضاء يحضران معًا في ملامح الشراكة الجديدة. لم تكن هذه محطاتٍ متفرقة في برنامج زيارة، بل مشاهد تتعاقب بإيقاعٍ واحد، تتحرك فيها سلطنة عُمان من ذاكرة التاريخ إلى آفاق المستقبل، وظلت هويتها هي البوصلة.
ولهذا بدا البيان المشترك بين سلطنة عُمان والجمهورية الفرنسية أكثر من خاتمةٍ لزيارة رسمية. كان وثيقةً التقت عندها تلك المشاهد جميعها. لم يجمع حصيلة اللقاءات فقط، بل حمل خلاصة مسيرةٍ طويلة من الثقة والتفاهم، حتى غدا شاهدًا على مرحلةٍ جديدة في العلاقات العُمانية الفرنسية. كان النقطة التي التقت عندها خيوطُ التاريخ والسياسة والاقتصاد والثقافة في نصٍ واحد. ولم يكن استحضار افتتاح القنصلية الفرنسية في مسقط عام 1894 استدعاءً لذكرى بعيدة، بل تأكيدًا على أن العلاقات التي تعرف جذورها، تعرف أيضًا كيف تمد ظلالها إلى المستقبل.
غير أن جذور الحكاية تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك. فهي تمتد إلى الدولة البوسعيدية التي أرسى دعائمها الإمام المؤسس أحمد بن سعيد البوسعيدي، حين استعادت عُمان وحدتها ورسخت حضورها السياسي والبحري، لتبدأ مسيرة دولةٍ لم تنظر إلى العالم ساحةً للمنافسة وحدها، بل أفقًا للتواصل والشراكة. وتعاقبت الأجيال، وتبدلت الأزمنة، وبقي ذلك النهج يتجدد حتى وجد في النهضة المتجددة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، امتدادًا يربط أصالة الجذور برحابة الأفق، ويجعل التاريخ قوةً تدفع إلى الأمام، لا ذاكرةً تقيد خطاها.
ومن هذه الرؤية تشكل البيان. فالاستثمار يفتح الباب للبحث العلمي، والبحث العلمي يقود إلى التعليم، والتعليم يثمر ثقافةً تحفظ الذاكرة، ثم تعود الذاكرة لتمنح التنمية معناها. لم يعد الهيدروجين والطاقة المتجددة، ولا الطيران والفضاء، ولا الموانئ والخدمات اللوجستية، ملفاتٍ متجاورة، بل ملامح مشروعٍ واحد، يؤمن بأن بناء الإنسان هو البداية الحقيقية لكل نهضة. فالمعرفة لا تنتظر التنمية، بل تصنعها، والثقافة لا تلحق بالاقتصاد، بل تمنحه روحه. وحين ارتفعت الشراكة من حركة السفن في البحر إلى حركة الأقمار الصناعية في الفضاء، بدا المستقبل وكأنه يفتح أبوابه للطرفين، فيما ظل التاريخ يحرس الجذور في هدوء.
ومن هنا اكتسبت زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم، إلى منظمة اليونسكو دلالتها الحضارية. فلم تكن محطةً ثقافية ضمن برنامجٍ رسمي، بل الوجه الآخر للفكرة نفسها. فما تحفظه المتاحف من ذاكرة، تكمله الجامعات بالبحث، وتمنحه المدارس لغة، وتحمله المختبرات إلى الغد. ولهذا بدا اللقاء بين الثقافة والاقتصاد، وبين التراث والابتكار، أمرًا طبيعيًا، فالحضارة لا تعرف الحواجز التي اعتادت التقارير أن ترسمها بين المعرفة والتنمية.
وعندما انتقل البيان إلى الأمن الإقليمي، بقي الإيقاع نفسه حاضرًا. فحرية الملاحة، واحترام القانون الدولي، وخفض التصعيد، والوساطة، لم تُطرح ملفاتٍ متفرقة، بل ركائز لعالمٍ أكثر استقرارًا. ولهذا حمل الترحيب الفرنسي بالدور العُماني في الوساطة، والإشادة بجهود سلطنة عُمان في الملف النووي الإيراني، وفي دعم استقرار مضيق هرمز، دلالةً تتجاوز عبارات البروتوكول، لأنها تعكس مكانةً صنعتها سنواتٌ من الاتزان، والوفاء للحوار، وبناء الثقة. ولم تتوقف هذه الرؤية عند حدود العلاقة الثنائية، بل اتسعت لتؤكد أن الاستقرار لا يتجزأ، فحضرت القضية الفلسطينية، واليمن، وأوكرانيا، لا بوصفها ملفات متباعدة، بل وجوهًا مختلفة لسؤالٍ واحد : كيف يصبح السلام قيمةً مشتركة، لا مصلحةً مؤقتة؟
ولكل أمانةٍ رجالٌ عظامٌ يُحسنون حملَها حتى تبلغ غاياتِها. وكان معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية، أحد الأمناء على الامتداد السياسي والدبلوماسي للرؤية السلطانية الهيثمية .. رؤيةٌ تستمد ثقتها من الإرث البوسعيدي، واتزانها من طبيعة عُمان نفسها. ففي صلابتها شيءٌ من شموخ جبالها، وفي هدوئها شيءٌ من أمواج بحر عُمان التي تخفي في أعماقها ثراءها، وفي صبرها شيءٌ من صحاريها البيضاء المتوشحة بحرائر الغبيراء، حيث يبدو السكون وجهًا آخر للقوة. وهكذا حمل معالي البدر هذه الرؤية إلى المحافل الدولية بلغةٍ هادئة وواثقة، لا تفتنها أضواء اللحظة، بل يشغلها الأثر الباقي، فغدت الدبلوماسية العُمانية تُعرف برسوخ مبادئها، كما تُعرف برهافة أدائها، وبات حضورها امتدادًا طبيعيًا لنهجٍ سلطاني يجمع الوقار، وبعد النظر، والوفاء للدولة ورسالتها.
ولن يبقى هذا البيان حبيس يوم التاسع والعشرين من يونيو، ولا أسير الصور التي وثقت الزيارة. سيغادر زمن الخبر إلى زمن المرجع، وسيقرأه المؤرخون بوصفه وثيقةً سجلت لحظةً اكتملت فيها مسيرةٌ طويلة، وانتقلت فيها العلاقات العُمانية الفرنسية من رصيد التاريخ إلى مشروع المستقبل. وعندما تُكتب فصول هذه المرحلة بعد عقود، لن يُستعاد هذا البيان لأنه وثّق زيارةً رسمية، بل لأن بعض الوثائق لا تكتفي بأن تسجل التاريخ، بل تصبح جزءًا من الطريقة التي سيُكتب بها التاريخ لاحقًا.


























