حصريٌّ لـ«الصحوة» – عاد النحاس، في الآونة الأخيرة، إلى واجهة التداول اليومي على منصات التواصل الاجتماعي، لكن هذه العودة لم تأتِ من بوابة الحرفة والتراث فقط، بل من باب ادعاءات صحية رائجة حول شرب الماء في أوانٍ وأكواب نحاسية بعد تركه فيها لساعات طويلة، مع وعود متداولة بتحسين الهضم وتعزيز المناعة ومقاومة الشيخوخة. وبين الحنين إلى أواني البيوت القديمة وبريق الدلال والمراجل والصواني، وبين خطاب صحي سريع الانتشار، يبرز السؤال الأهم: هل نحن أمام ممارسة مفيدة فعلًا، أم أمام تراث جميل أُلبس ثوبًا علاجيًا لا تثبته الأدلة؟
في سلطنة عُمان، لا يبدو الحديث عن النحاس غريبًا ولا طارئًا؛ فهذه الأرض عرفت المعدن منذ آلاف السنين، وارتبط اسمها التاريخي «مجان» في الذاكرة الأثرية بتجارة النحاس وحضارات العالم القديم. ومن مواقع التعدين والصهر القديمة إلى أواني البيوت والمجالس، ظل النحاس حاضرًا في الحياة اليومية العُمانية، لا بوصفه معدنًا للاستخدام فقط، بل جزءًا من الذاكرة المعيشية والاجتماعية والجمالية. لذلك فإن موجة الحديث الحديثة عن الأواني النحاسية لا يمكن قراءتها صحيًا فقط، بل ينبغي فهمها أيضًا ضمن امتداد تراثي طويل، كانت فيه الدلال والمراجل والقدور والصواني النحاسية علامات حضور ووجاهة واستعمال يومي قبل أن تزاحمها مواد أحدث مثل الألمنيوم والستانلس ستيل.
كانت الأواني النحاسية في البيوت العُمانية والخليجية جزءًا من منظومة الحياة القديمة؛ تُستخدم في إعداد القهوة، وغلي الماء، والطبخ الجماعي، وصناعة الحلوى، وحفظ بعض المواد الغذائية، وتزيين المجالس. ولا تزال بعض مراجل الحلوى العُمانية، على سبيل المثال، تستند إلى النحاس لما يتميز به من قدرة عالية على توصيل الحرارة وتوزيعها بصورة متجانسة، وهي ميزة طهوية حقيقية لا خلاف عليها. كما بقيت الدلال والأباريق والصواني حاضرة في المناسبات والمجالس والقرى التراثية والمطاعم التي تستثمر الذاكرة البصرية للضيافة العُمانية.
غير أن المشكلة تبدأ حين ينتقل النحاس من كونه مادة تراثية أو أداة طهي مميزة إلى كونه «وصفة صحية» عامة. فالنحاس عنصر غذائي أساسي يحتاجه الجسم بكميات صغيرة، ويدخل في وظائف حيوية مرتبطة بالطاقة والحديد والجهاز العصبي والمناعة، لكن هذه الحقيقة لا تعني أن زيادة التعرض له عبر الأواني مفيدة تلقائيًا. الفارق كبير بين أن يكون النحاس عنصرًا ضروريًا في الغذاء، وأن يتحول إلى مصدر غير مضبوط يدخل إلى الماء أو الطعام بحسب نوع الوعاء ودرجة الحموضة ومدة التخزين ودرجة الحرارة وسلامة البطانة الداخلية.
تؤكد الجهات الصحية والتنظيمية أن الفيصل في استعمال الأواني النحاسية هو: هل النحاس ملامس مباشرة للطعام والشراب، أم أن الإناء مبطن بطبقة غذائية تمنع هذا التلامس؟ فالنحاس العاري يمكن أن ينتقل إلى الأغذية والمشروبات، خصوصًا إذا كانت حمضية مثل عصائر الفاكهة والخل والليمون وبعض الصلصات. ولهذا تمنع مدونة الغذاء الأمريكية ملامسة النحاس العاري للأغذية ذات الحموضة المرتفعة، أي التي يقل رقمها الهيدروجيني عن 6، لأن الحموضة تزيد هجرة النحاس إلى الغذاء.
أما منظمة الصحة العالمية فتضع قيمة إرشادية للنحاس في مياه الشرب عند 2 ملغم لكل لتر، وهي قيمة وضعت أساسًا لتجنب الآثار الهضمية الحادة لدى عموم السكان. وتذكر وكالة حماية البيئة الأمريكية مستوى إجرائيًا عند 1.3 ملغم لكل لتر في مياه الشرب، بينما تشير دراسات بشرية إلى أن ارتفاع النحاس في الماء قد يرتبط بأعراض مثل الغثيان وألم البطن والقيء عند مستويات أعلى. وهذا يعني أن التعامل مع النحاس يحتاج إلى حدود، لا إلى انبهار مطلق.
في المقابل، يتمتع النحاس فعلًا بخصائص مضادة للميكروبات، وقد أظهرت دراسات مختبرية أن تخزين ماء ملوث ببعض الجراثيم في أوعية نحاسية قد يخفض نموها بعد ساعات طويلة، وصلت في بعض التجارب إلى 16 أو 24 ساعة. لكن هذا لا يعني أن الإناء النحاسي يعقم الماء فورًا، ولا يعني أنه بديل عن الماء المأمون أو الغلي أو وسائل التنقية المعتمدة. كما أن الدليل المختبري لا يكفي وحده لإثبات أن شرب الماء يوميًا من الأكواب النحاسية يحسن المناعة أو الهضم أو يبطئ الشيخوخة.
ومن هنا تأتي المغالطة الأكثر انتشارًا: الخلط بين خاصية حقيقية للنحاس وبين وعود صحية واسعة. نعم، النحاس معدن مهم. نعم، له قدرة مضادة لبعض الميكروبات في ظروف محددة. نعم، له قيمة طهوية وتراثية عالية. لكن لا توجد أدلة سريرية قوية تثبت أن شرب الماء من أوانٍ نحاسية يمنح الإنسان فوائد علاجية عامة. وفي الوقت ذاته، قد يؤدي الاستخدام غير السليم، خصوصًا مع الأطعمة الحمضية أو التخزين الطويل أو الأواني غير المبطنة أو المخدوشة، إلى انتقال كميات غير مرغوبة من النحاس إلى الطعام والشراب.
وتزداد أهمية الحذر عند الحديث عن الأواني التقليدية أو الحرفية غير الموثقة؛ فبعض المنتجات المعدنية قد تحتوي شوائب أو معادن أخرى مثل الرصاص أو النيكل، وهي مخاطر منفصلة عن النحاس نفسه. لذلك فإن جمال الإناء أو قدمه أو ارتباطه بالتراث لا يكفي للحكم على صلاحيته الغذائية. الإناء التراثي قد يكون مناسبًا للعرض والزينة، لكنه ليس بالضرورة مناسبًا للشرب أو الطبخ، خصوصًا إذا كانت بطانته الداخلية تالفة أو مجهولة.
هنا تبرز حرفة التصفير، أو تبييض النحاس، بوصفها حلقة ذكية بين التراث والسلامة. فهذه الحرفة لم تكن مجرد تلميع للسطح الخارجي أو إعادة البريق للأواني، بل كانت في جانب منها صيانة للإناء وإعادة تأهيله للاستخدام، من خلال معالجة السطح الداخلي وتغطيته بطبقة تقلل ملامسة الطعام للنحاس العاري. ومع تراجع الاستخدام اليومي للأواني النحاسية، تراجعت الحرفة نفسها، بعدما كانت جزءًا من اقتصاد الأسواق القديمة ومهارات الحرفيين الذين يعيدون للأواني صلاحيتها وبريقها.
الاستخدام السليم اليوم لا يعني القطيعة مع النحاس، بل فهمه. الأواني النحاسية المبطنة والسليمة يمكن أن تكون مناسبة للطهي أو التقديم، خاصة حين تكون مصممة للاستخدام الغذائي. أما النحاس العاري فلا يفضل استخدامه مع العصائر والليمون والخل والطماطم والمشروبات الحمضية، ولا لتخزين الماء أو الطعام لفترات طويلة، ولا للفئات الأكثر حساسية مثل مرضى اضطرابات استقلاب النحاس. كما ينبغي التوقف عن استخدام أي إناء تظهر فيه خدوش عميقة أو انكشاف واضح للسطح الداخلي، إلى أن يعاد تبييضه أو تبطينه بطريقة مأمونة.



























