شهيرة الحسن
في كل الأماكن حولنا، محيطنا يتكون من نوعين :
البيئة الطبيعية: التي توفرت لنا من صنع الخالق جل جلاله.
و البيئة المبنية : التي طورها الإنسان على مر العصور، معتمدًا – كما ذكرت بالتفصيل في مقالاتي السابقة- على دراسة المساحات، القياسات و اختيار الأنماط المختلفة.
هناك دراسات عديدة تؤكد أن البيئة تؤثر على سلوك الأفراد فيها. و من هذا المنطلق، من المنطقي أن تؤثر البيئة الطبية على صحة المريض فيها ( سلبًا أو إيجابًا).
يتناول كتاب Design Details For Health جوانب هذه الدراسات بالتفصيل. و في هذا المقال أطرح التساؤل ذاته:
هل من الممكن أن يؤثر التصميم الداخلي في دور الرعاية الطبية على صحة المريض؟
مؤخرًا، كثرت التوجيهات (المعتمدة على الدراسات و المعلومات الموثقة) في وضع قوانين تصميم داخلي لبيئة طبية ، حيث لا يحصل المريض على الرعاية الصحية فقط بل من المفترض أن تسهم البيئة المحيطة في عملية شفائه.
و قد صرحت Dr. Ellen Fisher نائب رئيس الشؤون الأكاديمية في جامعة نيويورك للتصميم الداخلي، أن الدراسات أثبتت أن البيئة التي صممت باستخدام الأسس المعتمدة على الأدلة العلمية من (تجارب و معلومات قد جمعت من أجل التأثير على صحة المريض)، تساهم حقًّا في تسريع شفاء المريض و في تحسين تجربته في المرافق الصحية.
و ذلك من خلال مراعاة عوامل عديدة سيتم ذكرها أدناه.
كما يجدر الذكر أن التصميم يجب أن يراعي أيضًا متطلبات الكادر الطبي و يوفر تأثير إيجابي عليه ليسهل إنجازه و يضمن راحته، و هذا بالطبع سينتقل إلى المرضى.
من هذه الدراسات ما قامت به المهندسة المعمارية و الكاتبة Magie زوجة الناقد المعماري Charles Jencks ، بعد إصابتها بسرطان الثدي. و كتبت فيها مقال بعنوان : A view from the front line
قالت في ذلك المقال حينها أن التصاميم الحالية للمرافق الطبية لا ترحب بالمرضى على الوجه المطلوب، بل تطلب منه التأقلم في المستشفى و القلق بخصوص المرض و الأدوية و خطوات العلاج.
بينما يستطيع القليل من الجهد و المال تغيير هذا إلى مساحات مرحبة أكثر، حيث تصبح المرافق الطبية بديلا للبيت و تصمم بطرق يستطيع للمريض إكمال حياته الطبيعية فيها (من ممارسة الرياضة و الهوايات المختلفة- استقبال الضيوف – تحضير الوجبات الخفيفة).
في عام 1996 أي بعد وفاة المهندسة Maggie بعام، بدأ تطبيق دراستها في اسكوتلندا في المستشفى نفسه الذي تلقت فيه الرعاية الطبية.
و الآن ينتشر في بريطانيا و الدول المجاورة 17 مركزًا طبيًا للغرض ذاته تحت اسمها: Maggie’s Center.
و في هذه المراكز عدة أسس تم دراستها و تطبيقها، من أهمها :
– إنشاء التصاميم التي تهتم بالطبيعة كجزء منها، و لا يقتصر تحقيق هذا في وجود مساحة حديقة، بل من الممكن تحقيقه من خلال الصور و اللوحات الفنية و النباتات المنزلية.
– الاهتمام بالهدوء في مساحات الرعاية الطبية مما يقلص القلق و يساعد على الراحة. و يتم تحقيق هذا باستخدام المواد العازلة في الجدران و النوافذ، و استخدام السجاد العازل للصوت.
– الاهتمام بالأماكن المخصصة لممارسة النشاطات اليومية ( اليوغا- الرياضة – القراءة- الكتابة- الرسم).
– استخدام درجات الألوان الهادئة.
– المساحات حول المريض – و المساحات المخصصة لاستخدام الكادر الطبي مدروسة بعناية و يتم التحرك فيها بسهولة (مع مراعاة قياسات الكرسي المتحرك و غيره من الأجهزة الطبية و تنقلها).
– توفير مكان مريح للشخص المرافق له، مما يطمئن المريض.
– القدرة على التحكم بالإضاءة، الحرارة و تهوية الغرفة.
– وجود مصدر مياه نظيفة سهل الوصول و تصريف صحي فعال.
و قد لاحظتُ شخصيًّا تطبيق أسس مماثلة في دار الحنان في العذيية – مسقط في سلطنة عمان. إذ يعد المركز من أهم الأماكن التي توفر الرعاية الكاملة لمرضى أطفال السرطان قبل و بعد فترة العلاج – طويلة كانت أم قصيرة.
يقصد المركز الكثيرون من مسافات بعيدة لما فيه من تجهيزات تهون على المريض فترة علاجه، حيث فيه غرف مجهزة لمبيت الطفل و مرافقيه، كما يوفر أماكن مخصصة لتحضير الطعام الصحي،فيه غرف تهتم بنشاطات الطفل خلال تلقي العلاج – مثل القراءة و الرسم و استخدام الحاسوب -.
تستحق جهود كهذه الإشادة بها، و نرجو أن تطبق هذه الدراسات في كل المرافق الطبية في أوطاننا الغالية.



























