الصحوة –حليمة أحمد الكمشكي
تخيل نفسك معلما تقف أمام فصل يضم حوالي 40 طالبا وانت تقدم درسا سوى في العلوم أو الكيمياء أو الفيزياء وانت تنظر إلى هذا العدد الكبير من الطلبة أمامك تتبادر إلى ذهنك سلسلة من الأسئلة منها:
ـ كم طالب منهم يحب ويفضل مادتي التي ادرسها؟
ـ كم طالب يتمنى مغادرة الفصل أو أن تلغى المادة من الجدول المدرسي؟
ـ كيف يفضل كل طالب أن يتعلم؟ وإلى أي مدى يتفقون على الطريقة المناسبة؟
ـ هل سرعة الطلبة في الفهم والاستيعاب والتعلم متساوية؟ أم هناك فروقات بينهم في ذلك؟
من منطلق ذلك جميع الاسئلة السابقة تقود إلى إجابة واحده مفادها إنه لا يمكن تعليم كل هؤلاء الطلبة بطريقة واحدة ولا بد من تنويع التدريس وتلبية احتياجات المتعلمين المتنوعة حتى يستطيع كل طالب أن يحقق ذاته ويحقق لها النجاح ويصل إلى مستوى تحصيلي متميز.تذكر سنتراك: إن أكبر تحدي يواجه أي معلم سوى معلم العلوم أو غيره هو محاولة الاستجابة للمجالات الواسعة والمتزايدة من الاحتياجات والخلفيات وأنماط التعلم المتمايزة للطلبة. فالمعلم الذي يحاول اكتشاف الجديد ويراعي قدرات طلابه ينعكس ذلك على ادائه وكذلك المعلم في محاولاته لإيجاد بيئة تربوية متنوعة بذلك ينمي التفكير والإبداع وحب العلم لديهم مما يتطلب عليه ان يراعي الفروق الفردية بين طلابه والعمل على تنمية قدراتهم واهتماماتهم بشكل منفرد فيختار الأسلوب المناسب للتعامل معهم والذي يساعده في تحقيق الأهداف المنشودة.
فالاختلاف بين الطلاب في معارفهم ومدى استعدادهم للتعلم والمواد التي يفضلون تعلمها وطرق التدريس التي تساعدهم على التعلم والتعرف على ميولهم واهتماماتهم وأنماط تعلمهم وأنواع ذكائهم، دفع التربويين إلى البحث والتفكير لإيجاد استراتيجيات تعليمية حديثة تهتم بجوانب الطلبة المختلفة ولاحتواء هذا التنوع ظهر اتجاه حديث في التعليم يسمى التعليم المتمايز الذي يجعل المتعلم محورا للعملية التعليمية ويراعي اهتماماته وميوله وحاجاته وقدراته.

التعليم المتمايز
التعليم المتمايز ليس استراتيجية واحدة، ولكنه مدخل للتدريس يدمج العديد من الاستراتيجيات المتنوعة تلبي احتياجات الطلبة الفردية، وتتيح الفرصة لكل طالب الحصول على نفس المعرفة ولكن بمداخل مختلفة ومهام متنوعة مصممة وفق حاجاتهم التعليمية. عرف تومنيلسون: التعليم المتمايز هو عبارة عن فلسفة تدريس قائمة على اعتقاد ان المعلمين يجب أن يطوعوا تدريسهم لاستيعاب الاختلافات في الاستعداد والميول والحاجات بين الطلاب في فصولهم.
فالتعليم المتمايز اذن هو سياق يراعي احتياجات المتعلمين المختلفة وكذلك معلوماتهم السابقة حول معرفة معينة واستعدادهم للتعلم ومدى مستواهم وميولهم وتحقيق كل ذلك من خلال استراتيجيات وأساليب التدريس المناسبة. ويعمل التعليم المتمايز على تحقيق أهداف كثيرة منها:
ـ زيادة المستوى التحصيلي لدى الطالب.
ـ تطوير مهام تتسم بالتحدي والاحتواء لكل متعلم وتوفير فرص للطلاب للعمل وفق استراتيجيات متنوعة.
ـ إعطاء الطلبة مزيد من الثقة بأنفسهم وعدم الشعور باليأس والإحباط.
ولكي يقوم المعلم بتقديم تعليم متمايز عليه اتباع الخطوات التالية:
ـ يحدد المهارات والقدرات لطلابه ويجيب على الأسئلة التالية: ماذا يوجد لدى الطالب من معارف؟ وماذا يحتاج الطالب؟
ـ يختار الأساليب واستراتيجيات التدريس الملائمة لكل طالب أو مجموعة.
ـ يحدد المهام التي سيقوم بها الطالب لتحقيق غايات التعلم ومخرجاته.
ومن منطلق ذلك التعليم المتمايز مصمم لاستيعاب تنوع الطلاب واحتياجات التعلم لديهم لتحقيق أقصى قدر من التعلم وهي من الأساليب المتبعة لمعالجة تنوع واختلاف الطلاب في الفصول الدراسية.
و قد استطاع المذكور في استخدام التعليم المتمايز في التغلب على مشكلة احتواء فصول العلوم للصف السابع، التي تحتوي على طلاب يتعلمون اللغة الإنجليزية حديثا وطلاب أصحاب برامج تربوية فردية، وطلاب متفوقين، وموهوبين، عن طريق إنشاء مدونة على شبكة الانترنت تقدم المواد التعليمية بعدة أشكال ( مكتوبة ، مسموعة ، مرئية ) تدعم التعلم الصفي، بحيث تناسب الاختلاف في مستويات الطلاب وأساليب تعلمهم.
وأشارت سنتراك في دراسة لها إلى فاعلية التعليم المتمايز على تحسين اتجاهات طلاب الصف الرابع اتجاه مادة العلوم وارتفاع التحصيل لديهم. فإذا لم يتعلم كل طالب بالأسلوب الذي يناسب ذكائه ونمط تعلمه وميوله فكيف سوف يشارك في الموقف التعليمي؟ وكيف سوف يتحسن تحصيله الدراسي؟ وبالتالي تمييز التعليم ضروري والتنويع في الاستراتيجيات، والاستراتيجيات للتعليم المتمايز كثيرة ومن بينها استراتيجيات التعلم النشط وهنا نذكر العلاقة الوثيقة بين التعليم المتمايز والتعلم النشط، حيث ان كلاهما محوره الأساسي هو الطالب ويسير نحو إيجابية وفاعلية المتعلم ومشاركة الطالب في جميع مراحل الدرس، وبالتالي فالتعلم النشط مطلب أساسي للتدريس المتمايز وبعبارة أخرى ان التدريس المتمايز هو الأساس الذي يمكن المعلم من تحقيق التعلم النشط في فصوله.

ومن هنا يجب على معلم العلوم توفير مسارات مختلفة تناسب جميع الطلاب في الصف، والتي من شأنها تدعم وتتحدى كل طالب حتى يصل إلى إمكاناته الحقيقية ويتحقق ذلك من خلال اختيار المعلم استراتيجيات تعليمية مناسبة ونشطة.
الاستراتيجيات التدريسية التي يختارها معلم العلوم في حصصه التدريسية والتي تناسب التدريس المتمايز وتحقق الأهداف التعليمية المنشودة وبها يصبح المعلم قائدا لطلاب مختلفين في جوانب متعددة، وتكون هذه الاستراتيجيات مرتبطة بقدراتهم واحتياجاتهم واهتماماتهم، وبها يتحمل المعلم مسؤولية تحقيق تعلم متمايز لكل منهم ومن أهم الاستراتيجيات الفعالة لتعليم متمايز يراعي اختلاف الطلاب واستعداداتهم وقدراتهم ما يلي:
الأنشطة المتدرجة:
هي أنشطة تدور حول المفاهيم والمهارات، ولكنها تتدرج في مستويات الدعم المقدمة للطالب أو التعقيد أو التحدي، وتستخدم حينما يكون هناك طلاب تختلف مستوياتهم المعرفية أو المهارية ويدرسون نفس المفاهيم ويتعلمون أداء مهارات معينة، لذا يقوم المعلم بتصميم أنشطة متدرجة ومختلفة المستويات، بحيث يبدا كل طالب من النشاط الملائم لمستواه ويتدرج في الأنشطة وفق سرعته، وكلما كان النشاط متوافقا مع ميول واستعدادات الطلاب كلما كان دافعا لتركيز الطلاب ومحفزا لهم على إكمال النشاط بالشكل المطلوب والانتقال إلى نشاط أعلى في المستوى، وأرى ان معلم العلوم يجب أن يفعلها بشكل كبير في محتوى مواد العلوم ولكن مطلبها الخبرة في إعداد الأنشطة المتنوعة التي تتوافق ومستويات الطلاب المختلفة.
(Jigsaw) استراتيجية جيكسو
تعد هذه الاستراتيجية أحد أنماط التعلم التعاوني وتقضي على ان جميع الطلابفي المجموعة الواحدة يتكاملوا في أداء المهام المنوطة بهم بكفاءة ويتشاركوا بفعالية وتشجع على الاشتراك والارتباط بين أعضاء المجموعة وذلك عند إعطاء كل عضو الجزء الهام الذي سيلعبه في النشاط التعليمي، فأعضاء المجموعة يعملوا مع بعض كفريق لينجزوا الهدف المشترك بينهم وكل شخص يعتمد على الباقي ولا يستطيع الطالب منفردا أن ينجح بشكل كامل إلا مع العمل مع الباقي كفريق وهذا يعطي أهمية للعمل الجماعي في تحقيق الإنجاز والمهام المطلوبة وهذا بدوره سوف ينعكس على تعلم الفرد من خلال التعلم ضمن مجموعة متعاونة، وأثبتت دراسة قام بها فاعلية التعلم التعاوني باستخدام استراتيجية جيكسو على الفهم النظري لمادة الفيزياء أكثر من التعلم المباشر.
استراتيجية فكر، زاوج، شارك
تعد أحد الاستراتيجيات التي تؤيد التعليم المتمايز والتعلم النشط في آن واحد وتعمل على تزويد الطلاب بغذاء فكري في موضوعات تمكنهم من صياغة أفكار فردية أو تشاركية مع زميل آخر، وتعتمد على استثارة الطلاب كي يفكروا كل على حدة، ثم يشترك كل طالبين في مناقشة أفكار كل منهما، ثم يعرض كل طالبين ما توصلا إليه من آراء وأفكار على الفصل كله وتدور مناقشات جماعية تتخللها الاسئلة والاجابات من جميع الطلاب وإبراز نقاط الالتقاء والاختلاف، وهذه الطريقة تدعم الحوار بين أطراف بينهم اختلافات في الميول والاتجاهات وفي المعلومات السابقة عن الموضوع، فيتعودوا المشاركة وتقبل الرأي الآخر، والتعبير عن الرأي والدفاع عنه بموضوعية، ونتائج دراسة تدعم استخدام هذه الطريقة في رفع كفاءة الطلاب وتعلمهم للعلوم.

استراتيجية حل المشكلات:
تعد طريقة حل المشكلات من الطرائق التي يتم الاعتماد عليها في تدريس العلوم الحديثة وكثيرا ما نفعلها في حصص العلوم، وذلك لتحقيق أهداف تدريس العلوم، واستراتيجيات تعليمها وتعلمها، والتي تركز على اكتساب الطالب المعرفة العلمية بطريقة وظيفية، وتقويمها، والاحتفاظ بها، يمكن أن تساعد طريقة حل المشكلات على اكتشاف المفاهيم والمبادئ العلمية من قِبل الطالب وتطبيقها، ومن ثم الاستفادة منها في مواقف تعليمية تعلمية جديدة. وتعتبر هذه الاستراتيجية نشاط مهم للطلاب يعتمد على وجود مواقف تعليمية تمثل مشكلة حقيقة تواجه الطلاب وتستثيرهم للقيام ببعض الإجراءات للوصول إلى أنسب الحلول الممكنة وكذلك لمقابلة الاختلاف في أنماط التعلم وفي الذكاءات المتوفرة والميول المختلفة والخبرات التعليمية الموجودة لدى الطلاب.
والخطوات التي يتبعها الطلاب في استراتيجية حل المشكلات هي:
توضيح المشكلة وبيان أبعادها، إعادة صياغة المشكلة في صورة قابلة للحل، فرض مجموعة من الفروض، اختبار صحة الفروض ورفض الغير مناسب، وأخيرا تقييم الحلول واختيار الحل المناسب، وكلما كانت المشكلة تستثير اهتمام الطلاب وتتوافق مع ميولهم وأنماط تعلمهم وذكاءاتهم والمعرفة المتوفرة لديهم والتي يمكن الاستفادة منها، كلما كانت دافعية الطلاب أعلى وكلما كانت الحلول المقدمة أكثر نضجا وهنا نصل إلى تعلم حقيقي هادف، يناسب ميولهم واختلافهم في فصولنا الدراسية.
التعلم بالمحاكاة: المحاكاة هو نموذج لعالم واقعي يقوم المتعلم فيه بمهام مختلفة كحل مشكلات واتخاذ قرارات وتربط بين الجانب النظري والعملي وتبسط المادة العلمية للطالب وتصل إلية المعلومات بطريقة مشوقة وجذابة.
وتعتبر من الأساليب المهمة في تدريس العلوم حيث تتواجد هناك الكثير من المفاهيم المجردة غير المحسوسة وهذا من شأنه يشكل صعوبة لدى الطالب لفهمها وايضا تواجه المعلم صعوبة أحيانا في تقديمها، وللمحاكاة أنواع كثيرة ونذكر هنا احد أنواعها وهي المحاكاة الحاسوبية وهذا يتوافق ايضا مع التقدم التكنولوجي وهي طريقة تجعل الطالب أكثر انتباه وتجعل التعليم بالنسبة له فيه الكثير من المتعة وهذا يزيد من مرونة عملية التدريس وجعلها أكثر حيوية، وتتوافر في مختبراتنا نماذج حية لاستخدام المحاكاة في التدريس منها برنامج تمساح الكيمياء والفيزياء، والمحاكاة لقياس الــPH وغيرها من البرامج التي يستطيع ان يفعلها معلم العلوم الذي يريد تمييز حصصه الدراسية وجعلها ذات طابع تفاعلي تشاركي للطلاب، بالإضافة ان المعلم يستطيع الآن الحصول على برامج محاكاة متوافرة على شبكة الانترنت تقدم نماذج رائعة لدروس مناهج العلوم ،وكثيرا ما أقوم باستخدام برامج المحاكاة في حصصي وارى انها تزيد من تفاعل الطلاب وحماسهم نحو المادة العلمية المقدمة ومن ضمن البرامج التي استخدمتها في حصص مادة الكيماء في ما يخص التغيرات الكهروكيميائية والخلايا الجلفانية برنامج ووجدته برنامج فاعل يسهل تقديم المفاهيم المجردة وتقريب الصورة إلى الطالب بشكل أكثر وضوح، وبالنهاية هذه البرامج على اختلافها تبسط المعلومة وتجعل الطلاب أكثر حماسا للتعليم، وتراعي استعدادهم واختلافهم.
طريقة التكعيب
هي استراتيجية من استراتيجيات التمايز وهي طريقة تعليمية مصممة على شكل مكعب لجميع الطلاب تساعدهم على التفكير واكتشاف مفهوم أو فكرة معينة ولكن بمهام مختلفة متنوعة وفق مستوياتهم واستعداداتهم أو وفق تصنيف بلوم (معرفة، فهم، تطبيق، تخيل، تركيب، تقويم) ويمكن تنفيذها بشكل فردي أو جماعي، بحيث يكون على كل وجه سؤال محدد، يقوم المعلم بوضع نشاط مختلف على كل وجه ودور الطالب أن يقذف المكعب ثم يقوم بالنشاط الذي يظهر له.

طريقة استخدام المكعب:
ـ الطريقة الأولى: يقسم طلاب الصف إلى مجموعات وكل مجموعة تأخذ أحد أوجه المكعب وتعمل عليه.
ـ الطريقة الثانية: يقسم الطلاب إلى مجموعات بستة أفراد ويكون لكل مجموعة مكعب خاص ويعمل كل طالب على وجه من وجوه المكعب.
وبعد ان تعرفنا على عدد من استراتيجيات النشطة التي يمكن ان يوظفها المعلم الذي يحاول تمييز التعليم ويراعي مستويات الطلاب والاختلاف بينهم وهي على سبيل المثال لا الحصر فالاستراتيجيات كثيرة ومتنوعة ويتطلب من المعلم الذي يريد ان يميز التعليم ان يبحث ويستقصي عن كل ما هو جديد وما يناسب طلابه ومحتوى المادة التي يقدمها وهنا يأتي دور المعلم في كيفية اختياره للاستراتيجيات المناسبة للتعليم المتمايز.
كيف يختار المعلم الاستراتيجية الأفضل؟
يجب أن تخضع عملية اختيار الاستراتيجية في ضوء التدريس المتمايز لمجموعة من الضوابط العلمية التي تعكس فكر وخبرة المعلم، وتتمثل في ما يلي: مدى معرفة المعلم بخصائص طلابه وطبيعة الاختلاف المتواجد بينهم، كذلك وضوح الأهداف التعليمية ورصد الإمكانات المتاحة وتحديد الزمن المناسب بالإضافة إلى لما يتقنه المعلم من مهارات عند تطبيق الاستراتييجيات المختلفة.




























