الصحوة – خالصة العوفية
جلس محمد بشرفة فندق مطلة على الطريق البحري لمدينة سانتا مونيكا بولاية كاليفورنيا وفي يده هاتفه المحمول، متكئاً عل كرسي ذو مساند عريضة، منتظراً أذان المغرب وهو يستمع لسورة الواقعة للقارئ عمر هشام العربي، الصوت القوي الذي يكسر الصخر من الخشوع، ذلك الصوت الذي يذكره برحلته الأخيرة إلى القاهرة، وجلوسه في إحدى مقاهي شارع المعز لدين الله الفاطمي، الشارع الذي يتزين في الشهر الفضيل بعبق التاريخ والحضارة والإرث العظيم، وبراحة بصرية تشدك إليها الفوانيس والأنوار التي تستقبلك، حيث تتنافس فيه محلات الزخارف والأواني النحاسية والملابس الفولكلورية والمقاهي في جذب السائح والمقيم، ورائحة اللبان والعطور من العطارين والمحلات، وبروحانية المكان كحضارة إسلامية تعاقبت عليها الدولة الفاطمية والأيوبية والعثمانية والمماليك، والمباني الحجرية والمساجد الأثرية المنتشرة في هذا الحي، التي تجعلك تحس براحة نفسية تستكين لها جوارحك وأنت في شهر رمضان الفضيل.
أيقظت أصوات طيور النورس خيال محمد، إنه ينتظر صوت تطبيق المؤذن الذي بهاتفه، والذي طالما كانت والدته تقول له لا داع لهذا التطبيق في هاتفك كونه قد يزعج الآخرين وخصوصاً أنك في بلد أجنبي، نظر بعينيه الناعسة فهو من دقائق معدودة استيقظ من النوم بعد يوم رتيب، ممل، فالأعمال شبه متوقفة في هذه الفترة المتأزمة بفعل الجائحة، نظر للأفق والشمس تغرب في هذه المدينة الساحلية الجميلة التي أتى إليها من ولاية أريزونا الصحراوية الجبلية، وكأنه ينشد راحته النفسية برؤية البحر وهو عاشق له، كيف لا وهو قد نشأ وترعرع في ولاية مطرح الرائعة، ما بين جبل وبحر وأودية، يطل عليه ذلك الأفق وعيناه لا تفارق شريط أفكاره الذي يشع تفاؤلاً بغد أفضل.
أكل بضع تمرات وهو في مائدة إفطاره، اشتراها من مدينة صغيرة تسمى “يوما” على طريق صحراوي يربط بين ولاية أريزونا ومدينة سان دييغو، بعدما رأى قسم لبيع التمور في إحدى محلات محطة الوقود، فاجأته البائعة بسؤال عن مدى معرفته بالتمور، ابتسم ولكنه لم يبدي معرفته العميقة بارتباط حياته ونشأته بالنخلة، وكيف كانت حياة والده وأجداده في ولاية سمائل وارتباطهم الوثيق بالنخلة وهي شعار هذه الولاية العريقة، قبل أن ينتقلوا لمطرح بسبب وظائفهم وأعمالهم، اشترى بعض منها وهو يسأل نفسه أيضاً من أين تجلب هذه التمور، لعلها من دولة عربية وتباع بأضعاف السعر للمستهلكين العرب، أو لعلها من إسرائيل فهي تصدر التمور كذلك والتي ما كان محمد يتوقعه عندما شرى علبة من إحدى القرى التي تربط مدينة جنيف السويسرية بانترلاكن السياحية، ولكن في صبيحة اليوم التالي وهو يتحرك بالطريق اكتشف مزارع النخيل في هذه المدينة، والتي طالما سمع بها ولكنه لم يكن يتخيل يوماً أن يراها، شرب تلك القهوة السوداء الداكنة المخففة والتي ما اشتهرت بمسمى القهوة الأمريكية رغم أن بلداناً تنتج القهوة كأثيوبيا واليمن والبرازيل وإندونيسيا وغيرها لم يكن لها حظ بأن تسمى باسمها في المقاهي، وبعد أن احتسى جرعات من الكافيين المنشط، رأى الناس من شرفته يمشون على الطريق البحري، الذي يمتد لمدن بطول الساحل الغربي لمدينة سان فرانسيسكو وسان دييغو، ولا شك أن منطقة ماليبو التي يعرفها أصحاب سيارات شيفروليه يدركون جمال ذلك الطريق البحري الذي يربطها بسانتا مونيكا، بدأ فكره يذهب إلى بلده العزيز، في هذا الوقت بالذات من أيام رمضان المبارك الأسر والعوائل أو حتى الموظفين البعيدين عن بيوتهم يتجمعون للإفطار، إنها لحظات تتوقف فيها الحركة في الشوارع ليتشارك الناس اللمة التي طالما كان الغريب يتمناها، أصناف طعام رمضانية تعودت عليها المائدة الإسلامية والعربية، ضحكات وابتسامات تتبادل بين المجتمعين، روح محبة وتكافل تتبادل بين الأسر والجيران، جرس الباب يرن بين الحين والآخر، فها هو صحن آت، وذلك صحن ذاهب، خيم إفطار لعابري السبيل، مؤسسات خيرية ومجتمعية توزع مواد تموينية، صدقات توزع من الصغير قبل الكبير، بيوت ومساجد تصدح بذكر الله وقراءة القرآن، تآلف وانسجام، الكل يبحث عن مغفرة من ربه، يا له من شهر رحمة.
ينعم الله سبحانه على الإنسان بنعم كثير، ويبتليه سبحانه في المال والأهل والصحة والوطن، الابتلاء يجعل محمد وغيره ينظرون لمقدار النعم التي لا نعي بها ولا نحسن استغلالها، وعندما نفقدها نحس بقيمتها، ستذهب كل زائلة ويبقى عمل الخير، فماذا أعددنا لأنفسنا لمواجهة كل زائلة، شهر الرحمة والمغفرة سيبقى روحاً في كل مسلم، يرشده للصواب، يرجعه إلى إنسانيته، إلى القيم الجوهرية في معنى حياته، يحفزه لصلة الرحم وعمل الخير، يعلمه الصدق ونبذ المعاصي، تتصافى القلوب وتتصالح، وتتهادى النفوس رغبة في محبة الله.
بعد أن صلى صلاة المغرب والعشاء جمعاً، فهو متجهاً بسيارته المستأجرة إلى سان دييغو للعودة إلى فينيكس عاصمة أريزونا وبعدها بطائرة لولاية تكساس حيث يعمل هناك في شركة بترول، تساءل في مخيلته كيف له أن يكون بعيداً عن أهله ووطنه وفي هذا الشهر الفضيل، كيف له أن يعيش في غربة تنهش من جسده رويداً رويداً، ومن نفسيته ما تجعله يهيم في الظلام وبهذا الوقت من مكان لمكان، ربما أدرك ذلك لاحقاً ولكنه عرف قيمة وعلاقة القيم الإنسانية بالعادات والتقاليد المبنية على جوهر الدين، والتكافل المعزز بالقيادة الحكيمة، رمضان كريم.



























