الصحوة – الدكتور سالم بن سلمان الشكيلي
بلاد الشهيد المناضل البطل عمر المختار وبلاد المليون شهيد الذين تخضبت دماؤهم بترابها وكفنّ أشلاء أجسادهم الطاهرة وهم يدافعون عن انفسهم وارضهم وأعراضهم ضد المستعمر الإيطالي الذي استخدم الحديد والنار بشكل غير مسبوق في التاريخ البشري حينما أتى بدباباته وطائراته واسلحته الثقيلة والخفيفة إلى الأراضي الليبية، فقتل وشرد وجوّع وحرّق ودمّر ، فلم يُرهب ذلك المقاومين الليبيين ذكوراً واناثا حتى تحررت بلادهم من دنس الاستعمار .
ليبيا التي كانت رمزًا مشرّفًا ومشرقًا في النضال والمقاومة وبسالة الرجال وشدة وحمية النساء، أصبحت اليوم وللأسف الشديد منقسمة على نفسها، فالليبيون تفرقوا شيعاً واحزاباً يقتتلون مع بعضهم، فالشرق الليبي بقبائله ضد غربه بقبائله، وهو مدخل وجد فيه الطامعون سبيلاً للتفريق بين الشعب الليبي الواحد، رغم أنّ طرابلس وبنغازي وطبرق وسرت والكفرة وترهونة وغيرها من المدن والقرى الليبية تستغيث بهم وتتوسل إليهم بأن يلقوا السلاح جانباً، ويجلسوا مع بعضهم البعض ليناقشوا وضع ليبيا ومستقبلها وكيفية النهوض بها، بعدما أنهكتها الحرب والدمار منذ عام ٢٠١١م وحتى يومنا هذا .
ونحن في هذا المقال، ندعو الإخوة الليبيين والقبائل الليبية، أن ينظروا إلى المصلحة الليبية فقط ويعلوا من شأنها، وألا يلتفتوا إلى دعوات التفرقة والتشرذم الناعقة من هنا وهناك.
نرى كيف تكالبت الدول على ليبيا فهذه روسيا وفرنسا وتركيا وأمريكا وإيطاليا، ومعها بعض الدول العربية للأسف، كل دولة تدعم فريقاً، إمّا بالسلاح والعتاد العسكري، وإمّا بالأموال، وإما بإرسال المحاربين المرتزقة، وذلك تحقيقاً لغايات واهداف بعضها معلوم وبعضها غير معلوم في ظل هذا التنافس الدولي على إشعال الحروب والفتن في مناطق شتى من العالم، وكأننا عدنا إلى العصر الحجري، فلا احترام لسيادة الدول واستقلالها، بل باتت القوة والهمجية والدولار هي السائدة، وإلا، فما الذي يدفع بدولة ما تبعد عن ليبيا آلاف الأميال تنهمك في إشعال الحرب الدائرة هناك، وما هو التهديد الإستراتيجي الذي يهدد أمنها، ألا يكفي مشكلة الصومال وسوريا واليمن والعراق التي لم تستعد عافيتها حتى الأن، وها هي قطر المحاصرة منذ عام ٢٠١٧م، تؤكد على تلك التدخّلات الفجّة في شؤون الدول، وما يسببه ذلك من معاناة عامة للجميع .
ماذا يريدون حقاً من بلاد عمر المختار ؟ وماذا يريدون أن يصنعوا بها؟! ورغم أني لست من محبي الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، ولكن هل كان يجرؤ أحد من هؤلاء التدخل في الشأن الليبي بأي وجه من الوجوه ؟ بالقطع فإنّ الإجابة ستكون بالنفي حتى أن بعض زعماء هذه الدول المنهمكة في الحرب بشكل فاضح لا يجرؤون مجرد التفكير في هذه المسألة مع أنفسهم لأنهم يعلمون ويدركون من هو القذافي، بل كانوا يتسوّلون ودّه، حتى وإن كان ذلك في الظاهر .
كفانا حروب أيها القوم، كفانا تمزق وتشرذم، كفانا هدر للأموال وتأخير التنمية في بلداننا العربية ، أين الحكماء والعقلاء من هذه الأمة ليحدثوا فارقاً في التوجهات والممارسات الطائشة، ويمنعوا استشراءها وانتشارها. وإذا كانت بعض الدول لديها فائض في الأموال فالجوعى واليتامى والأرامل والفقراء والمساكين كثر وإنفاقها على هؤلاء له أجر وفضل عظيم عند الله تعالى، فالأولى أن تصرف في مثل هذه الوجوه، وفي تطوير وازدهار بلدانهم ورخاء شعوبهم.
إنّ بإمكان الليبيين رمي خلافاتهم وصراعاتهم في أكبر نهر اصطناعي لديهم، ويجلسوا وجهاً لوجه بقلوب صافية وعقول مفتوحة وأياد ممدودة، من أجل ليبيا الحرة المستقلة ذات السيادة الكاملة، التي أرادها عمر المختار والمليون شهيد الذين لم ترهبهم دبابات موسوليني وطائراته.
وفوق ذلك على مصر الشقيقة الكبرى ومعها دول المغرب العربي الأخرى الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا الدفع بهذه الأطراف للوفاق والاتفاق، إذا صدقت وخلصت النوايا فليس من مصلحة دول الجوار الليبي استمرار هذا الاقتتال وتعقّد الأوضاع في المنطقة، وتدخّل دول طامعة في ثروات ليبيا وتبحث عن مصلحتها فحسب ، وتشارك في قضم الكعكة الليبية.
ونحن لا نريد أن تتوزع هموم واهتمامات المصريين شتى، فوق ما هم عليه كغيرهم من شعوب العالم، خاصة مع ما يلوح في الأفق من تعنت وغطرسة أثيوبية بشأن سد النهضة، وما يمثله هذا التعنت والإصرار من إضرار كبير على مصر وشعبها، فمعروف عن مصر أنها هبة النيل.
ويبدو لي أن على مصر الشقيقة الكبرى لكل العرب، أن تأخذ بزمام المبادرة لحل المسألة الليبية، وهي قادرة على ذلك، وهذا يتطلب منها حيادًا واضحًا وغير منحاز لأي طرف، وإذا أحست الأطراف الليبية بهذا التوجه المصري، عادت الثقة إليها، وهي أولى بالحل وباللجوء إليها، لكن عليها أن تبعث برسائل التطمين والمواقف الإيجابية، لأن هناك أطرافًا ليبية لازالت تنظر إلى الموقف المصري بعين الريبة، وهذا ما يجب أن تسعى القاهرة إلى تبرئة ساحتها منه، وهي في نظري منه براء .




























