الصحوة – مصعب بن خميس الشكيلي
يولد الإنسان وقد كفل الله له رزقه طوال حياته، ثم يكبر فينظر فوقه ليرى من هو أغنى منه، وينظر دونه، فيرى من هو أفقر منه. وأتذكر مقالة قرأتها للشيخ الوقور علي الطنطاوي (رحمه الله) يقول فيها :
“الفقر والغنى نسبيّان، فأنت فقير بالنسبة لأرباب الملايين، ولكنك غنيّ بالنسبة للعامل المُعدم الذي يتقاضى ما لا يكفيه يومه. أنت تعيش ميسور الحال مستورًا، ويجب عليك حمد النعمة التي تتقلب فيها”
الحمد يكون بطرق شتى مختلفة، والموهوب من يستطيع الجمع بين كل تلك الأنواع، سواء بالقول أو الفعلً، وفي كلٍّ خير، وبالتأكيد فإن اليد العليا خير من اليد السفلى، وليكن حمدك القولي مشفوعاً بالحمد الفعلي. ولو نظرنا إلى السلف الصالح، الذين هم قدوتنا، حين أتوا رسول الله شاكين مغتبطين : يا رسول الله، سبقنا أهل الدثور بالأجور”.
وأنت مع أهل الدثور والصدقة بقدرها والله يشكر ويضاعف. تصدق بالفضل من الثياب والطعام وبالقليل من المال، تطهر به مالك وقلبك، وتنحو بقلب الفقير عن الغل والحسد.
إن ما يدعو إلى مدّ اليد بالفضل، معرفة ما يدّخره الله من الثواب، والجزاء الجزيل. “والله يضاعف لمن يشاء”، “كمثل حبةٍ أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة”. “وما نقص مال من صدقة” والصدقة تدفع الشر، وتطفيء غضب الرب ويرفع الله بها الكرب ويفرج الهم.
وهناك من القصص الكثير، تبين أثر الصدقة وفضلها . منه قرأناه وما عايشناه. لن أذكر ما عايشته بنفسي، وأجزم أنه لا يخلو عبد من آثار رحمة الله بسبب الصدقة.
مما أعجبني وأثار في نفسي الدهشة بَصَرُ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، عندما كانت تتصدق، فإنها تدع يد الفقير في الأعلى ويدها في الأسفل، فضلًا عن أنها تطيّب الصدقة حتى تظهر بمظهر الهدية. كذلك ما رواه الطنطاوي، أنه رأى ابنته تحمل الطعام في صحون لفقير، فأوقفها وأخبرها أن تضع الطعام على صينية تضع عليها الشوكة والملعقة وكأسًا نظيفة، فيشعر الفقير بأنه ضيف، فيُجبر خاطره ولا يشعر بفقره.
اعلم أخي الكريم، أن النعم تدوم وتُحفظ بالحمد. كن راقياً في أسلوبك، واجعل صدقتك كما لو كانت هديةً لحبيب. اجعل يدك مبسوطة بما تستطيعه، يضاعف لك الأجر، ويُبسط لك في الرزق، واعتقد يقينًا أن ما تنفقه هو الباقي، وأن الله يدّخره. وتذكر قول النبي يوم أن سأل أم المؤمنين عائشة، عن الشاة المذبوحة، ما بقي منها؟ فقالت: ما بقي منها إلا كتفها. قال: بقيت الشاة إلا كتفها. وليقع في نفسك أنك محتاج لثواب الله أكثر من حاجة الفقير للطعام والشراب. فانظر في أحوال الناس تعلم حاجتهم ولا تستصغر أو تستقلّ ما تقدمه، فإنه عظيم عند الله وعند الناس. وتذكر أن ما تنفقه هو من فضل الله، وأنت مؤتمن عليه، تنفقه في رضا الله .





























