الصحوة – مصعب بن خميس الشكيلي
كل إنسان منّا يصادف في أيام حياته مواقف، أغلبها قد تكون متكررة، ومن كثرة تكرارها صرْنا لا نشعر بها ولا نُلقي لها بالًا، بل أننا أصبحنا بسبب شيوعها نطلق أحكاما عامة غالباً ما تكون سيئة، وهي نتيجة طبيعية طالما أن نتائج تلك المواقف واحدة .
كان مما أثقل كاهلي أني صادفت ثلاثة مواقف، لأول مرة أواجهها في حياتي، وكلها في يوم واحد بل خلال ساعتين . موقفَين اصطبغا بصبغة سوداء وملآ قلبي شؤمًا وسوءَ ظن بالحياة، ثم أتى من بعدهما موقف أزال ذلك الشؤم، وأعاد الأمل بوجود الخير في الدنيا، فكيف إذا كان بأمة الخيرية !! .
* الموقف الأول: تحكي لي إحدى القريبات، وهي تعمل معلمة في مدرسة خاصة لتعليم الأطفال، أنه حصل نقص في مادة معينة فدأبت مديرة المدرسة على البحث عن معلمة في ذات المجال لتسدّ به النقص. “والرزق بمكانك أعلم منك بمكانه” ، فسِيق رزق الوظيفة لإحداهن، وهي أشد حاجة له ففرحت به فرحًا شديدًا . لكن، لم تُمضِ المسكينة سوى ثلاثة أيام في عملها حتى جاءها خبر ينبئُها باستغناء المدرسة عنها دونما سبب وجيه يدعو لفصلها. ولا يُسر أحدٌ قط منكَرة إلا ظهرت على آثار يده أو فلتات لسانه، فقد ألمحت إحداهن أنها لم تعجبها الفتاة، يا للعجب! عذر أقبح من ذنب. فلم ندرِ ما الذي لم يعجبها، هل كان شكلها؟ أم سيارتها؟ أم أسلوبها؟ وبالتأكيد لم تكن قط طريقة تدريسها؛ لأنها لم تخضع للفحص والتقييم، وكذلك أمانتها في تأدية الوظيفة خلال ثلاثة أيام، ليست كافية لإصدار هذا الحكم الظالم، لكنه الحقد والحسد والضمير الميت في النفوس السوداء، . فقررت هي ومن معها تحريض المديرة على فصلها فصلًا تعسفيًا دون سابق إنذار. فلا أدري من الملام، حلف المعلمات القذر، أم تصرف المديرة الساذجة غير المسؤول .
* الموقف الثاني زاد في نفسي سوداوية وسوءًا، وكاد أن يرسخ في ذهني سوء الظن في الناس. فلا ذمة ولا ضمير ولا أمانة ولا وفاء. هذا ما حدثتني به نفسي فهاكم فحواه.
خرّيجة جامعية، دائماً ما يوسوس لها الشيطان، في أفكار قاتمة تعتلج نفسها، أفاتها قطار الوظائف في الحكومة؟ أم لم يصل بعد؟ فاختارت لنفسها خيار تدريس الأطفال في بيتها. يعني أن تسعى لطلب رزقها فلم تمطر السماء ذهبًا ولا فضةً في عهد الفاروق ولا قبله ولن تمطر. فعملت بوصية الفاروق، ونشرت إعلانها لتقديم الدروس وبمقابل زهيد تكسب به رزقها، وتكسب به ثقة الناس. هي أرزاق تُقسم وعباد تسعى. وقع رزق الأخت عند امرأة جاءت باثنين من أولادها، تريد مضاعفة حصيلة العلم لديهما؛ طمعًا بمستقبل مشرقٍ، وأملٍ مضيءٍ، فليس يعيش الإنسان إلا بالأمل. اتفقتا على السعر، وانطلق قطار الرزق يجلب لها الخير على قلّته. للأسف ما لبث القطار أن توقف لنقص وقود الأمانة، فأخذت المرأة تؤجل سداد الحقوق، والأخرى تُمهل وتُنظر، إلى أن انقطعت أخبار أمّ الولدين. فلا هي جاءت بالولدين للدراسة، ولا هي جاءت بما تبقى عليها من المال. بل إنها يوم نشط ضميرها وأنّبتها نفسها اتصلت بالمسكينة تجادلها وتكذّبها فيما اتفقتا عليها من المال . فلم تخضع للحق ولم تطع ضميرها، بل اختفت ولم تؤدّ ما عليها. وقد ذُكر في الأثر، أن الرجل يرفع يده للسماء يدعو ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام ويتغذى بالحرام، فأنّى يُستجاب له.
* أما الموقف الثالث الذي ارتاحت له نفسي وانفرجت له أساريري، وانشرح له صدري، فقد حدث لي ولم يحدّثني به أحد. صدم أحدهم سيارتي من الخلف . فتوقفت لأرى حجم ما وقع بها من ضرر فوجدته طفيفًا. تكلمت مع الرجل عنه وأعطيته رقمي ليتواصل معي ليصلح ما أفسد، ولم آخذ رقمه ولا ما يدل عليه، ثقةً به، وحتى لا يقال ضاع حُسن الظن بين الناس، رغم أن الموقفَين السابقَين مازالا يملآن نفسي، فولّدا شيوع الخيانة، ونكث العهد، والكذب، حتى أنني أسأت الظن في الرجل، بأنه لن يتواصل معي. وتأكد إحساسي هذا بانقضاء يومين على الحادثة دون اتصال منه. وإني لا أعلم أتراها دائرة الخير أكملت مسار دورانها، فعادت إليّ؟ فإني لا أذكر أن حصل لي موقف مشابه. والأكيد أنها الخيرية في الأمة موجودة وإنْ غطاها غبار الشر، فلا بد من هبوب رياح الخير تزيل ما علق من غبار الشر على القلوب المسلمة المؤمنة. فقد اتصل الرجل وقدم اعتذارًا وأبدى استعدادًا لإصلاح ما أفسد والحمدلله.
ويشهد الله أن فرحي بأمانة الرجل أكثر من فرحي بإصلاح الضرر. الدرس المستفاد من هذه المواقف ألاّ نعمم الأحكام على الناس، ولنتذكر قول الله تعالى ” كنتم خير أمة أخرجت للناس للناس،،،” والسلام.


























