الصحوة – حمد ناصر السناوي
غرد أحد الزملاء مؤخرا “أخشى التقدم في العمر ومن أن تصيبني أمراض الشيخوخة فأصبح عالة على من حولي”. استوقفتني هذه التغريدة وأنا أتأمل واقع المسنين الذين يترددون على عيادة الطب السلوكي والذين تتفاوت أعمارهم بين الستين والتسعين، يتمتع البعض منهم بصحة جيدة تمكنه من الاعتماد على نفسه في تسيير حياته اليومية بيننا يحتاج البعض إلى من يساعده في أدق التفاصيل بعد أن وهن العظم منه وأشتعل الرأس شيبا.
تعتبر رعاية المسنين من التحديات التي تواجه العديد من المجتمعات المعاصرة، فقد أدى تطور الخدمات الصحية في مختلف دول العالم إلى ارتفاع عدد المسنين وظهور الحاجة إلى من يقدم الرعاية لهم مع تغير التركيبة الاجتماعية في العديد من المجتمعات والتي استبدلت الأسرة الكبيرة الممتدة بالأسرة الصغيرة التي اقتصرت على الزوجين والأبناء ومع خروج العديد من النساء للعمل خارج المنزل ظهرت الحاجة إلى إنشاء دور رعاية ينتقل إليها المسن طوعا أو اضطرارا لتصبح البديل الجديد للمنزل والأسرة رغم وجود الأبناء الذي غالبا ما يستمرون في زيارته في تلك الدار، بينما لا تزال بعض المجتمعات تحفظ للمسن كرامته وتعينه على البقاء في منزله مع تقديم الرعاية له.
في بعض الدول العربية توجد أكثر من دار للمسنين تقدم الرعاية حسب احتياجات المسن الجسدية والنفسية حيث يعاني بعض النزلاء من أمراض مزمنة وسلوكيات يصعب التعامل معها في المنزل، ورغم أن الصور النمطية لدار المسنين في الإعلام الخليجي خاصة مرتبطة بالإهمال وعقوق الأبناء إلا أن هذه الصورة لا تنطبق على الجميع، في السلطنة توجد دار واحدة للمسنين في ولاية الرستاق تضم بعض المسنين الذين تقطعت بهم السبل خاصة وأن أغلبهم ليس لديهم أبناء أو بنات فأصبحوا عرضة للإهمال بعد وفاة شريك الحياة، قمت بزيارة الدار أكثر من مرة بحكم عملي مع كبار السن، ورغم الجهود التي يبذلها العاملون هناك من إداريين وأختصاصيين نفسيين في إدخال الفرح والسرور إلى المسنين كنت آرى الحزن والأسئ في عيون البعض، خاصة أولاءك الذين انقطع أقاربهم عن الزيارة ربما لبعد المسافة أو لانشغالهم بأمور الحياة اليومية، أخبرت أحد الأصدقاء بزيارتي الأخيرة للدار، فذكر بعض الاقتراحات التي يمكنها أن تجلب السعادة إلى نفوس النزلاء مثل: إقامة دور أخرى بحجم أصغر تكون في أكثر من محافظة ليتمكن المسن من البقاء قريبا من قريته وعائلته الممتدة فلا ينقطع الأهل عن زيارته، كما سيساعد نظام الشراكة في إدارة الدار بين وزارتي الصحة والتنمية الاجتماعية في تقديم رعاية أفضل حيث أن احتياجات المسن عادة مع تتمحور في المجال الصحي والاجتماعي، ولا ننسى أهمية حصول المسن على مصروف شهري يغطي احتياجاته الخاصة ويكفيه عن سؤال الأخرين، فبذلك نحفظ كرامته من مذلة السؤال.
يشرح الطبيب الأمريكي من أصل هندي أتول جواندي في كتابه “لأن الإنسان فإن ” تجربتة كونه طبيب في المجتمع الأمريكي ويذكر كيف أن دراسته للطب لم تهيئه للتعامل مع الشيخوخة حيث يسعى الطب الحديث إلى محاربة الموت والتشبت بالحياة ويروي قصة جدة زوجته التي عاشت وحيدة بعد وفاة زوجها حياة مستقلة حتى بلغت الثمانين من العمر واحتاجت الانتقال إلى إحدى دور الرعاية خاصة بعد إصابتها في كسر في الساقين ويقارنها بقصة جدة الذي عاش إلى المائة من العمر في مزرعته في الهند محاطا بأبنائه وأحفاده الذين يتناوبون في رعايته ويشاركونه حياتهم اليومية مستفيدين في خبرته الطويلة مما يشعره بالسعادة، وينطلق الكاتب بعدها إلى رصد تجارب المرضى المسنين في أمريكا وكيف أن ما يرعبهم ليس الموت بل فكرة أن يصبح كل الفرد منهم عالة أو مصدر للإزعاج لمن حوله بسبب احتياجاته فيتم التخلي عنه وإيداعه في دور المسنين ليقوم الأخرين برعايته مقابل مبلغ من المال فيقدمون له المأكل والمشرب لكن بدون دفء الاسرة التي لا يمكن شرائه. يحاول الدكتور جواندي في كتابه طرح تجارب جديدة في جعل دار المسنين أكثر حياة عن طريق اتاحة الفرصة للمسن للاستمتاع بما تبقى له من عمره والسماح له بمزاولة الأنشطة البسيطة التي من شأنها إدخال البهجة إلى نفسه مثل: الزراعة، وتربية الحيوانات الأليفة، والسماح للأطفال بالزيارة بشكل دوري وتشجيع المسنين على قراءت القصص للأطفال واللعب معهم، كل هذه الأنشطة تبعد الكأبة عن المسن وتشعره بأنه لا يزال قادر على إسعاد من حوله.
يختم الدكتور جواندي كتابه بعبارة “لقد أخطأنا في تحديد طبيعة عملنا كأطباء، فقد اعتقدنا أن عملنا هو أن نضمن صحة الناس وبقاء حياتهم، غير أن مهمتنا في الواقع أكبر من ذلك بكثير. إنها تمكين الناس من الحياة السعيدة.
وأختم أنا بالقول بأنني لا أروج هنا لإيداع كل المسنين في دور الرعاية فليس ذلك من أخلاق ديننا الحنيف، بل أن تكون الدار خيار للأفراد الذين يعانون من مشاكل صحية أو نفسية تفوق قدر الأسرة على التعامل معهم وكذلك الأشخاص الذين لا يوجد من يرعاهم كما هو متبع حاليا في السلطنة .
حفظ الله الجميع .

























