الصحوة – الدكتور سالم بن سلمان الشكيلي
سرحتُ بأفكاري ، بل قل إنها سرحَت بي ، وأنا أحاول أن أستجمع ذخائرها ونفائسها ممّا احتوته تجاربي وخبراتي ، وبما أضافته قراءاتيواطلاعي الذي أزعم أنه ليس بسيطاً ، أفكار تتلاطم وأنا أبحث عن مفهوم المواطنة ومقوماتها الأساسية – عنوان مؤلفي القادم – وكيف تنوعتالمشارب والتعريفات لها ، للأسف تدفع من يتصدى لها أيدلوجيات ، تكون في الغالب غربية بحجة الحداثة والتطور ، وهي تسوقهم وتتحكمفيهم .
ورغم هول وقوة هذا الأمواج العاتية كان سلاحي الدائم هو الصبر والإيمان بالله بأني سأصل إلى الحقيقة يحدوني شغف البحث الذييمثل لي متعة وسعادة وزيادة في المعرفة ، وبأن ما سأقدمه لا بد أن يكون متمايزًا ، لا تحكمه أهواء شخصية ولا تسوقني أيديولوجيات معينة، إلا ما يرتضيه ديني وخلقي وعادات وتقاليد مجتمعي .
ولكي يكون القاريء الكريم وهو يقرأ هذا المقال على فهم لهذا الموضوع الشائق ، لا بُدّ من توضيح سهل وبسيط لمفهوم المواطنة وهي : “ حالةواقعية وجدانية تولد لدى الإنسان بالفطرة ، تحكمها نواميس وقواعد القانون الطبيعي ، بحيث تبدو المواطنة في مظاهر الانتماء والولاءوالوطنية والمشاركة السياسية بما يستتبع ذلك من حقوق وواجبات ، فهي علاقة تبادلية بين الفرد والوطن الذي ينتمي إليه فيؤمن الجميع بمبدأالتعايش والتسامح والتناصر دون تمييز أو إقصاء لفرد أو طائفة بسبب الأصل أو الجنس أو اللون أو الدين أو المذهب أو المركز الاجتماعي،وهم جميعاً متساوون في الحقوق والواجبات ، وعلى الدولة كفالة ذلك وتحقيق مبدأ العدالة بينهم .
لقد كانت إحدى تلك الأمواج العاتية ، هو ذلك الزعم والاعتقاد الخاطيء من قبل بعض الفقهاء باعتبار الأوروبيين وفلاسفتهم ومفكريهم همأول من أرسى دعائم المواطنة وأتى بها إلى الشرق الأوسط في القرنين الثامن والتاسع عشر ، وكانت هذه النقطة مفصلية ، لدرجة أنهااستفزتني ، ولا بد من التحقق منها ، فاستخرجت عشرات الكتب من أرفف مكتبتي بعضها لفقهاء وعلماء في التفسير والفقه والحضارةالإسلامية ، ومعها بالطبع كتب الفقه الدستوري ، بالإضافة إلى بعض المعاجم العربية المتوفرة والمعتبرة ، حتى غدت طاولة الكتابة والاطلاععندي ملآى بكل تلك الأصناف من المعارف .
وأول ما هداني الله إليه قصة النبي سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ التي يذكرها لنا القرآن الكريم في سورة النمل حيث قال عزّ وجل : (يا أيها الملأ إني أُلقي إليّ كتاب كريم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم. ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين . قالت يا أيها الملأ أفتونيفي أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون . قالوا نحن أولوا قوة وألوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين ) . وجاء في تفسير ابنكثير لهذه الآيات ، أنه بعدما وصل كتاب النبي سليمان عليه السلام إلى الملكة جمعت وزراءها وأهل الشورى وكبراء دولتها ومملكتهاواستشارتهم في أمرها وما قد نزل بها ، فلم تنفرد برأيها وإنما عرضت الأمر عليهم لاتخاذ القرار المناسب ، ولكن المجتمعين فوّضوا الملكة فياتخاذ القرار الذي تراه صائباً لما اشتُهرت به من رجاحة العقل وحسن التدبير ، وهم لها طائعون .
وجاء في القرآن الكريم في عدد من الآيات كلمة “قوم” كما في قوله تعالى في سورة يس : ( وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى. قال يا قوماتبعوا المرسلين . اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون . ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون. أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمنبضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون. إني آمنت بربكم فاسمعون . قيل ادخل الجنة قال ياليت قومي يعلمون . بما غفر لي ربيوجعلني من المكرمين ) ،وكلمة القوم في اللغة تعني جماعة من الناس تربط بعضهم ببعض وحدة اللغة والثقافة والمصالح المشتركة والانتماءللعشيرة أو القبيلة أو القرية أو المدينة ، وفي هذه الآيات الكريمة يأتي هذا الرجل الصالح لينصح قومه باعتبار ذلك النصح واجباً عليه ، وحقاًلهم بوصفه أحد أفراد المجتمع الذي يعيش فيه .
وإذا نظرنا إلى الوثيقة التي كتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة المنورة ، والتي يُطلق عليها البعض دستور المدينة ،نجد أن هذه الوثيقة حفظت حقوق وواجبات المجتمع القائم في المدينة المنورة ، وفيه المسلمون وغير المسلمين ، وهي – الوثيقة – ترسخ بحقمبدأ المواطنة والتعايش والتسامح والتناصر بينهم ، وقد كانت أوروبا في هذا الوقت تعيش في ظلام دامس ، غارقة في الطغيان والاستبداديسود فيها حكم الفرد المطلق . ثم من حقنا أن نسائل أصحاب ذلك الزعم المغلوط ، أين هم من العهد العمري الذي أعطاه أهل إيليا بعد فتحبيت المقدس , حيث منحهم سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ،الأمن والأمان على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وكنائسهم ورهبانهم لايمسهم أذى ما داموا يقيمون في دولة الإسلام .
والمواطنة تقوم على مقومات عدة ، منها ؛ العدل والمساواة والشورى والتكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع ، وكل هذه المباديء العالية الرفيعةفرضها القرآن الكريم على المسلمين وكرستها السنة النبوية قولاً وعملاً ، وسار على هُداها الخلفاء الراشدون والأئمة الصالحون من بعدهم . فالإسلام نظم حقوق الأفراد وواجباتهم ، كما نظم المجتمع والدولة أيضاً ، ولذلك حرّم البغي والفساد والظلم والضرر أياً كان منشؤه ، وقدأصّل القرآن الكريم مبدأ الكرامة الإنسانية للبشر قاطبة وباطلاق ، سواءّ للمسلم أو غير المسلم ، بقوله تعالى : ( ولقد كرمنا بني آدم ) . وهذاالمبدأ هو أصل المواطنة ، بل هو أصل الحقوق والحريات للإنسان ، لأنها مظهر شخصيته المعنوية وامتدادها في المجتمع السياسي ، ولنا منقصة القبطي المصري الذي جاء إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه شاكياً من محمد بن عمرو بن العاص والي مصر الذيضربه على إثر سباق للخيل فاز فيه القبطي على ابن عمرو بن العاص ؛ فما كان من ابن الخطاب إلا أن استدعى الابن وأباه ، وعندما مثُلالثلاثة أمامه ، وتحقق من صحة الشكوى ؛ أمر القبطي بضرب ابن عمرو بن العاص بالدرة ، فلما انتهى ، قال عمر بن الخطاب مقولتهالمشهورة “ متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً “ هذه القصة وغيرها ، خير شاهد على عدالة الإسلام دون تمييز بين كل منيعيش في كنف الدولة الإسلامية .
أما الموجة الثانية ، والتي لا تقل قوتها عن الأولى ، فتتمثل ، عندما وقع نظري على مجموعة من البحوث عن المواطنة في دول الخليجالعربي ، ومن بينها بحث بعنوان “ المواطنة المثلومة “، حيث ينكر الباحث وجود المواطنة في هذه الدول ويصف أنظمتها السياسية بأنها منأشهر أنظمة الحكم المطلق على المستوى العالمي ، وأنّ الحاكم يمسك بين يديه كافة السلطات . ولسنا بصدد الدخول في سجال أو جدال لاطائل منه مع أحد ، ولكن الحقيقة تفرض نفسها ، فشعوب الخليج ارتضت نظم الحكم الملكية التي رأوا فيها الأمن والاستقرار لدولهم ، وكانوامحقّين في تلك الرؤية ، فهم ينعمون بهذا الأمان الذي تفتقده بعض دول العالم التي تتشدق بأنها أنظمة جمهورية ، ذلك أنها أصبحت ملكيةأكثر من الملكية ذاتها ، والمواطن الخليجي بوجه عام يشعر بالمواطنة ومظاهرها المتمثلة في الانتماء والولاء والوطنية والتسامح والتكافلالاجتماعي والمشاركة في الشؤون العامة ، كما ينعم بالحقوق المترتبة عليها ويدرك واجباته تجاه وطنه .
إنّ التسليم بمثل ذلك القول فيه استهانة بعقول المجتمعات الخليجية، وأنها لا زالت شعوب أو مجتمعات بدائية غير واعية للتطور الفكريالإنساني وتقزيم للعلماء والأدباء والمفكرين والبارعين في شتى مجالات الحياة وهذا ما لا يُمكن قبوله على وجه الإطلاق .
لا ندعي الكمال والتمام في كل شيء ، ولكن الأمور تسيير إلى حياة أفضل وأجمل .
وخلاصة القول : إننا في دول الخليج نعيش في جوٍ ومناخ من الأمن والأمان والتسامح مع أنفسنا والانسجام والتوافق مع ولاة الأمر ، وننعمبمواطنة صحيحة وسليمة وأي كلام بخلاف ذلك إنما هو كلامٌ ورأي مثلوم من شخص مهزوم مأزوم .


























