الصحوة – بثينة بنت عبدالله المعمرية
لا ريب في أن الفساد يصنف على اعتبار أنه ظاهرة عالمية، بل وتقّوت وتيرة الفساد في ظل العولمة الحديثة وثورة التكنلوجيا المعاصرة فأصبح ينمو في بيئة شاسعة وعالم رحب؛ فتعدت الحدود الإقليمية لتشمل المجتمع الدولي كونها جريمة عابرة للحدود، كما أن معظم القوانين تربط الفساد باستغلال أو استعمال الوظيفة العامة أو السلطة العامة؛ لأن ذيول الفساد يسهل انتشارها وتعم بذورها لتكثر في المجتمعات بالاعتداء على الوظيفة العامة في الدولة، وبالاعتداء على حرمة الوظيفة العامة فهو بمثابة اعتداء على المصلحة العامة ككل لتهتك المصالح العليا لتحقيق غايات ومصالح شخصية أو ذاتية تبعد كل البعد عن الغاية التي أوجدت الوظيفة العامة من أجلها، أما عن الجانب العُماني وجدنا أن المشرع العُماني قد كفل النص على جرائم الفساد وسن لها الجزاء الذي قد يجدي نفعًا مع أشخاص ما، ولكنه لا يجدي مع أشخاص آخرين، وبطبيعة الحال ذلك يرجع إلى الشخصية الجرمية المكنونة في الشخص مرتكب الجريمة والدوافع الجرمية وظروف الجريمة وغيرها من الأحوال التي تؤثر في ذلك. لكن طالما أن جرائم الفساد تمس المصلحة العامة وتؤثر كليًا في البلد وازدهاره واقتصاده، كان لزامًا تغليظ العقوبات بشكل كبير حتى الوصول الى الغاية المبتغاة من وراء هذا الجزاء، خصوصًا مع التهاون الحاصل في ارتكاب جرائم الفساد، ولما كان كذلك توصلت الباحثة إلى أن جرائم الفساد تختلف عن غيرها من الجرائم الأخرى حيث إن السمات أو الخصائص المتعددة التي يتصف بها الفساد تجعل منه جريمة مغايرة لغيرها من الجرائم، لذا فإن التعامل موضوعيًا وإجرائيًا مع هذه الظاهرة يلزم أن يأتي متوافقًا مع هذه الخصائص حتى يحقق الفاعلية المرجوة منه إذ إن الآليات العامة لمواجهة الجرائم لا تتفق في أغلبها مع هذه الخصائص لا سيما ما يتم به الفساد من سرية وتنظيم، كما أن مخاطر جرائم الفساد تفوق أي نوع آخر من الجرائم لأن آثارها قد تمتد لتشمل أجيالا وحياة ملايين البشر، وتزداد خطورة هذه الجرائم على اقتصاديات الدول النامية وكذلك نظامها الإداري والسياسي.
ونظرًا لإمكانية وجود الفساد في كل جوانب المجتمع وفي أجهزة الدولة لتعدد أسبابه فإن مكافحته تتطلب منظومة متكاملة، (خطة مستمرة وشاملة) تشارك فيها كل مؤسسات المجتمع العامة والأهلية والخاصة للحد من الفساد والحد من أسبابه وتعزيز طرق اكتشافه ووضع إجراءات وعقوبات رادعة على مرتكبيه. ثم إن الفساد الإداري يرتبط بالإدارات الحكومية والوظيفة العامة، وأن الشخص القائم بالفساد الإداري هو بالضرورة موظف عام وعليه فإن التصرفات غير القانونية من جانب الأفراد أو المؤسسات الخاصة غير الحكومية (القطاع الخاص) لا يمكن أن تندرج ضمن الفساد الإداري طالما أنها غير مرتبطة بالتعامل مع جهات أو مؤسسات حكومية، وعليه فإن القطاع الخاص يستلزم وضع آلياته الخاصة لمواجهة الفساد الذي قد يلحق بكيانه الإداري وفقًا لطبيعة العمل به.
ولا يفوتنا أن ننوه على ان استعمال الأداة التشريعية لتحقيق مآرب خاصة هو وباء أخطر من ظاهرة الفساد ذاتها، لأنه يجعل الفساد محميا؛ ليس من خلال النفوذ ولا بتنظيمه من قبل رؤوس الحكم أو السلطة، ولكنه محمي من قبل القانون وهي الأداة المقدسة التي لا يمكن لأحد الاعتراض عليها أو الامتناع عن تنفيذها فالزج بالقانون في حوار الفساد أمر يدمر القوة الإلزامية للقانون وهي إحدى خصائص القاعدة القانونية في أعين الملتزمين به.
وبناء على ذلك فإن النص على مكافحة الفساد في مبادئ الدستور من أهم الضمانات في مواجهة المفسدين إذ إن الدستور هو أبو القوانين ويأتي على قمة الهرم التشريعي، وبذلك فإن أية قوانين تصدر بالمخالفة لتلك المبادئ الدستورية يهددها بالإلغاء لعدم الدستورية، ومن ثم فإنه يمكن مواجهة المشكلة المتعلقة بالانحراف التشريعي – في حالة وجود محكمة دستورية– في البلاد.
وبما لايدع مجالا للشك أن مشكلة الفساد لا تكمن في ندرة النصوص العقابية الواردة في القوانين المتعددة التي تواجه صور الفساد، فهي كافية إلى حد ما لإحداث الردع العام، ولكن ما يحد من فعاليتها هو عدم تطبيقها بشكل ملائم أو تطبيقها بشكل انتقائي، كما أن الحصانات وإمكانية طمس الأدلة المادية لهذه الجرائم يعيقان فاعلية النصوص العقابية لتحقيق الردع العام.
ولا يخفى ان الفساد جريمة عابرة للأوطان وقد أكدت على ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد حيث أكدت أن الفساد لم يعد شائنًا محليًا، بل هو ظاهرة عبر وطنية تمس كل المجتمعات والاقتصاديات، فالتعاون الدولي على منعه ومكافحته يعد أمرًا ضروريًا وإذ تضع الدول في اعتبارها أن منع الفساد والقضاء عليه هو مسؤولية تقع على عاتق جميع الدول.
وتضيف الباحثة إلى ان الاستقلال الذي تتمتع به الأجهزة الإدارية المكلفة بمكافحة الفساد ما زال استقلالًا نسبيًا، لأن السلطة التنفيذية تتمتع ببعض الصلاحيات في مواجهة هذه الأجهزة كتعيين بعض أفرادها دون إشراك سلطات أخرى معها كالتشريعية أو القضائية بالإضافة إلى تدخل اختصاصات تلك الأجهزة مع بعضها البعض.
اما بشأن الأموال المتحصلة عن جرائم الفساد فهناك إضعاف مبدأ استرداد الأموال المتحصلة عن جرائم الفساد لبلدان الأصل التي نهبت منها هذه الأموال أي التي ارتكبت فيها هذه الجرائم، وذلك بعد تعديل نص المشرع الأصلي لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد فجاء النص على استرداد عائدات الفساد على أن يكون ذلك بإحدى الطرق المتصرف فيها.



























