الصحوة – محمد الدغيشي
كانت الموسيقى جزءًا من حياة الإنسان منذ آلاف السنين، حيث تم العثور على آلات موسيقية يعود تاريخها إلى أكثر من 40 ألف عام، مما يدل على رغبة الإنسان في التعبير عن نفسه أو التواصل مع الآخرين من خلال الموسيقى. وقد أكدت الجمعية الأمريكية للعلاج بالموسيقى أن الموسيقى استخدمت كعلاج في اليونان القديمة وتم اعتمادها كبديل علاجي في العصر الحديث.
وأشار الأستاذ عمار بن عباس البلوشي أحد مدرسي آلة الجيتار، إلى أن الموسيقى تؤثر على الدماغ بطريقة معقدة للغاية، حيث تتم معالجة جميع الحوادث الموسيقية من خلال مناطق مختلفة من الدماغ، حيث يقوم المخيخ بمعالجة الإيقاع، ويقوم الفص الجبهي بفك تشفير الإشارات العاطفية الناتجة عن الموسيقى، ويساعد جزء صغير من الفص الرأسي الأيمن على فهم طبقات الصوت.

وأضاف أن مركز المكافأة في الدماغ يمكن أن ينتج إشارات جسدية قوية، ولهذا السبب يستخدم المعالجون القدرات القوية للموسيقى واستجابات الشخص وعلاقته بالموسيقى، لتشجيع التغيرات الإيجابية في المزاج والحالة العقلية بشكل عام.
وحول تعزيز الموسيقى للتركيز الإيجابي، قال البلوشي إن الموسيقى، وخاصة الألحان المبهجة، يمكن أن تسعد العقل وتضاعف الشعور بالتفاؤل والإيجابية، وخاصة الموسيقى التي تحتوي على كلمات تزرع الأفكار الإيجابية في الحياة، فهي تجلب السعادة المزدوجة. حيث تساعد الإنسان على الإحاطة ويملأ نفسه بالطاقات الإيجابية ويجعل الأحداث الضاغطة تزول بسهولة أكبر.
وقال البلوشي إن هذا النوع من العلاج يتم تطبيقه من قبل أطباء نفسيين مدربين، وغالبا ما يتم تطبيقه في المستشفيات أو مراكز التأهيل أو المدارس أو دور الرعاية.
وأضاف أن الكليات والجامعات بدأت في استخدام العلاج بالموسيقى كجزء من مناهجها الدراسية، بدءا من جامعة ولاية ميشيغان عام 1944، وفي عام 1950 تم تشكيل أول منظمة مهنية كبيرة للمعالجين بالموسيقى وأصبحت تعرف باسم الجمعية الوطنية للعلاج بالموسيقى. العلاج بالموسيقى غالباً ما يكون قادراً على تخفيف أعراض مشاكل الصحة العقلية مثل الاكتئاب، والقلق، وهشاشة العظام، واضطرابات الشخصية، والأرق، والخرف.
وأشار يحيى بن عبدالله الضنكي مدير أكاديمية مسقط للموسيقى والفنون إلى أن الموسيقى ترافق الإنسان في كل شيء، وللموسيقى ألقاب كثيرة منها لغة الناس وغذاء الروح وغيها، وبما أننا نتحدث عن النفس والجسد والحالة النفسية والصحية، فإن الموسيقى تلعب دوراً في هذا المجال. حيث يستمع الإنسان إلى الموسيقى في حزنه، في فرحه، في غضبه، في السلم، في الحرب، وفي كل الأوقات، وترافق الموسيقى الإنسان، ومع تقدم الإنسان يبدأ بالاستماع إلى الموسيقى بكل مشاعره وأحاسيسه.

وأضاف: “لو جئنا للحديث عن الحالة الصحية وكيف يمكن للموسيقى أن تعالج النفس والروح والصحة، لوجدنا أن الموسيقى متنوعة في هذه المجالات، كما أن الموسيقى هي رياضة للجسد”. على سبيل المثال، في إحدى المرات كان لدينا طالب في المركز يعاني من ضعف في عضلات اليدين، فقد كانت أصابعه ثقيلة، لذلك جعلناه يتعلم العزف على آلة البيانو، حيث أن من المعروف عن البيانو أنه يستخدم الأصابع العشرة وحتى أصابع القدم، فكان يستخدم أصابعه العشرة، ومع مرور الأيام والتدريبات التي تلقاها في الموسيقى أصبحت عضلات اليدين قوية واستطاع أن يسيطر على يديه، لأنه كان يحرك أصابعه بشكل يومي وقد يصل إلى نصف ساعة يومياً.
وأشار الضنكي إلى أن التقنيات المستخدمة في العلاج بالموسيقى تنقسم إلى تقنيات تفاعلية وتقنيات تقبلية. عندما يصنع شخص ما الموسيقى، سواء عن طريق الغناء أو العزف على الآلات الموسيقية أو التأليف، يستخدم الشخص تقنيات تفاعلية.
وأضاف أن تقنية التلقي تكون من خلال الاستماع إلى الموسيقى والاستجابة لها، مثل الرقص أو تحليل كلمات الأغاني، وغالباً ما يتم الجمع بين تقنيات التفاعل والاستقبال للعلاج.
ومن جانبه قال تركي بن محمود البطاشي، عازف آلة الكلارينيت في الأوركسترا السلطانية: “إن الموسيقى هي أصوات الطبيعة، خلقها الله وأبدع فيها الإنسان، وأنا كشخص متعلم في مجال الموسيقى منذ أن كنت مراهقا حتى مرحلة النضج والفهم، وعاصرت العديد من العازفين العالميين والمحليين، تعتبر الموسيقى بالسبة لي عالما من الأفكار والألحان. عندما أكون موسيقياً أبذل قصارى جهدي لإيصال نغماتي إلى المستمع والتأثر بها، وعندما أكون الشخص الذي يستمع إلى العزف، أستمتع بإبداع العازف، وأنا على يقين من أن كل المشاعر والعواطف فالمشاعر التي تخرج قبل النوتة هي انعكاس لشعور العازف نفسه.

وأضاف البطاشي أنه يفضل الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية، لفخامتها وأناقتها وبهجتها بألوانها المختلفة، ومن أفضل الأنواع الموسيقية بيتهوفن، وموزارت، وباخ، حيث تركز هذه الأنواع على تغيير الأفكار وتهذيب النفس وترويضها.

























