الصحوة – أحلام بنت علي الكمزارية – باحثة ماجستير في القانون الجزائي بجامعة السلطان قابوس
أتحدث عن المساهمة الجنائية في القانون العُماني، في حوار مفتوح معك أنت أيها القارئ الكريم.
هل يمكنني أن أسألك سؤالاً؟
لو علمت أن صديقك ينوي ارتكاب جريمة، وشجعته، بل ربما اقترحت عليه كيف ومتى يفعلها وسهلت له الأدوات، ثم نفذها… هل تعتقد أنك في مأمن؟
هل تظن أن “التحريض” لا يُعاقب عليه؟ أو أن الجريمة تحتاج يداً تمسك السكين لتصبح جريمة فعلًا؟
حسنًا، القانون العُماني لديه رأي واضح، وربما صادم أيضًا.
أولًا: ما هو المقصود بـالمساهمة الجنائية؟
هي أن يُشارك أكثر من شخص في ارتكاب جريمة واحدة، سواء أكان ذلك بالفعل المباشر، أو بالتخطيط، أو بالتحريض، أو حتى بالمساعدة.
المادة (37) من قانون الجزاء العُماني تقولها بوضوح:
“يُعد فاعلًا للجريمة:
أ-من أرتكبها لوحده أو مع غيره.
ب-من ساهم في ارتكابها إذا كانت تتكون من جملة من الأفعال، فأتى عمداً أحد الأفعال المكونة لها.
ج- من سخر غيره بأي وسيلة لتنفيذ الفعل المكون للجريمة إذا كان هذا الشخص الأخير غير مسؤول جزائياً أو حسن النية ”
كما وضحت المادة (38) المقصود بالشريك فأتى في سياق النص
” يعد شريكاً في الجريمة:
أ-من اتفق مع غيره على ارتكابها فوقعت بناء على هذا الاتفاق.
ب-من اعطى الفاعل سلاحاً أو آلات أو معلومات أو أي شيء آخر استعمله في ارتكاب الجريمة مع علمه بها، أو ساعده عمداً بأي طريقة أخرى في الأعمال المجهزة أو المسهلة أو المتممة لارتكابها.
ج- من حرض على ارتكابها فوقعت بناء على هذا التحريض. ”
إذا، فالجريمة ليست فقط بمن يطلق الرصاصة، بل بمن دفع الفاعل نحو الزناد.
أنت قد تكون “فاعلًا” دون أن تعرف!!
هل طلبت من أحدهم أن “يُلقّن شخصًا درساً؟ هل قلت له: ” لا تتركه يفلت، خليه يدفع الثمن، خذ حقك منه بيدك”؟
ثم وقع اعتداء فعلي بعدها؟
إذًا؛ أنت فتحت باب المساهمة الجنائية، وإن لم تكن حاضراً عند وقوع الجريمة.
القانون هنا لا يُغفل الأثر الخفي للكلمات، فالتحريض جريمة؛ لأن نتائجه ملموسة. استناداً لنص المادة (38):
“من حرّض على ارتكاب جريمة، فوقعت بناء على هذا التحريض.”.
كما وضحت المادة (42) أن المساهم يعاقب بعقوبة الجريمة التي وقعت فعلاً، وأن القانون يدين المحرض بذات العقوبة التي وقعت فعلاً متى ما كانت الجريمة نتيجة محتملة لأفعال المساهمة التي ارتكبت منه ”
والتي يعد ” التحريض ” أحداً منها
وماذا عن المساعدة أو التخطيط؟
أخبرني… لو أوصلت أحدهم بسيارتك لتصفية خصمه، وأنت تعلم ما ينوي فعله، هل أنت مجرد سائق؟
بالطبع لا.
أنت في نظر القانون مُساهِم جنائي. المادة (38/ب) مرة أخرى توضّح:
“يُعد شريكًا: من اعطى الفاعل سلاحاً أو آلات أو معلومات أو أي شيء آخر استعمله في ارتكاب الجريمة مع علمه بها ، أو ساعده عمداً بأي طريقة أخرى في الأعمال المجهزة أو المسهلة أو المتممة لارتكابها.”
لاحظ عبارة “ساعد عمداً ” هذه العبارة الصغيرة تصنع الفارق؛ فإن كنت تعرف عن الجريمة وتعاونت، فأنت شريك فيها.
ولكن.. هل يُعاقب الجميع بذات العقوبة؟
سؤال مهم وذكي منك والإجابة: ليس دائماً.
القانون ترك للقاضي سلطة التقدير، حسب الدور الذي قام به كل مساهم وحجم الجريمة المرتكبة.
فمن كان العقل المدبر، ليس كمن انساق بالعاطفة أو تحت الضغط.
المادة (39) تشير إلى هذه الفروقات:
“يعاقـــب بعقوبـــة الفاعـــل كل شريــــك كان حاضراً فـي أثنـــاء ارتكـــاب الجريمة أو أي فعـــل
من الأفعال المكونة لها، والشريك الذي لولا مساعدته لما ارتكبت الجريمة. أما غيــــره من الشركاء فيعاقــــب بالسجن المطلق إذا كانــــت العقوبــــة المقررة الإعــــدام، وإذا كانـــت العقوبـــة المقررة للفعـــل السجــن المطلق عوقــب الشريك بالسجن مــدة لا تقــل عن عشرة سنوات ولا تزيد على خمس عشرة سنة، وفـي الحالات الأخرى تكون العقوبة بما لا يزيد على نصف الحد الأقصى المقرر لها ”
لكن جميعهم مسؤولون جنائياً.
كما أن المشرع العماني قام بمساواة العقوبة بين الفاعل والشريك في بعض الجرائم نظراً لجسامة الجريمة وخطورة الأثر الناتج عنها وإدراكاً منه للدور الذي يلعبه الشريك في وقوع تلك الجريمة باعتباره محركاً أساسياً لها، فقد نصت المادة (4) من قانون مكافحة الإتجار بالبشر الصادر بالمرسوم السلطاني رقم: (126/2008):
” يُعتبر فاعلاً كل من اشترك بالتحريض أو المساعدة أو الاتفاق على ارتكاب جريمة الإتجار بالبشر ”
وفي تعزيز لهذا الاتجاه، فقد جاءت المادة (91) من قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب الصادر بالمرسوم السلطاني رقم: (30/2016) لتؤكد ذات المبدأ حيث نصت على أنه: “يعاقب بعقوبة الفاعل الأصلي كل شخص شرع أو اشترك بالاتفاق أو التحريض أو المساعدة على ارتكاب جريمة غسل أموال أو تمويل الإرهاب “.
إذاً؛ ما المطلوب منك كمواطن أو مقيم …
أن تكون واعياً
أن تفهم أن القانون لا يعاقب على الفعل فقط، بل على النية الفاعلة أيضاً.
أن تدرك أن الكلمة قد تقتل والخطة قد تُدينك ولو لم تكًن بيديك الدماء.
ختاماً فإن القانون لا يُدينك لأنك كنت هناك، بل لأنك كنت فاعلاً ولو في الظل.
في عالم الجريمة، لا أحد بريء بمجرد أنه لم يضغط الزناد.
فكر دائماً قبل أن تُساعد؛ قبل أن تُحرض؛ قبل أن تُوافق.
وتذكر دائماً أن سيادة القانون هي المرجع الأسمى، فلا سُلطان يعلوه ولا استثناء لأحدٍ من أحكامه.



























