الصحوة – سيف بن حمد الجرادي
يمثّل النقد المؤسسي بداية أي تطور حقيقي داخل المؤسسة، لأنه يتيح لها أن ترى أخطاءها بوضوح وتسعى لتصحيحها، ولكن حين تطغى البيروقراطية وتتحول الإجراءات إلى غاية، يُستبدل التقدم بالتكرار، ويحلّ التجميل محلّ التجديد، في مثل هذا السياق، تفقد المرآة دورها في كشف الخلل، وتُصبح مجرد زينة شكلية، وتتحول التغذية الراجعة إلى إجراء نمطي هدفه دعم ما تم اتخاذه مسبقًا، وتُرفع شعارات التطوير لا لتحفيز التغيير، بل لتجميل قرارات مسبقة وإضفاء طابع المشاركة عليها، فالقيادة المترهّلة لا تخشى الخطأ بقدر ما تخشى من يشير إليه، وترى في النقد اعتداءً، وفي الملاحظة تهديدًا، وفي أي مرآة صادقة كسرًا لهيبتها، ولهذا، تكسر المرايا قبل أن تنعكس فيها الحقيقة، وتُقصى الأصوات التي تُفكّر، ويُقرّب من يُجيد المجاملة، وتُختزل الشفافية في محاضر اجتماعات لا تُغيّر شيئًا سوى أوراق الطابعة، في مثل هذه البيئة، لا تكون أدوات التقييم وسيلة للتحسين، بل وسيلة لطمأنة القيادة بأن كل شيء يسير وفق المخطط، وتُستخدم الأرقام لإثبات الإنجاز، لا لاكتشاف الخلل، وتُحوَّل مؤشرات الأداء إلى ستائر تُخفي وراءها فوضى التنظيم، وتضارب الصلاحيات، وغموض الأدوار، فحين يغيب الفعل الحقيقي، تزداد كثافة الوثائق.
تمتلك بعض المؤسسات أدوات قياس متقدمة، ومنصات تحليل، واستبيانات مفصّلة، لكنها رغم كل ذلك، تعجز عن طرح الأسئلة الجوهرية التي تكشف الخلل الحقيقي، فالأدوات قد تكون في أبهى صورها، لكن ما لم تُوجَّه من خلال وعي نقدي حي، فإنها تتحول إلى مرايا أنيقة تخفي التكرار ولا تُظهر العطب، الأخطر من ذلك، أن من يحاول تصويب هذه الرؤية أو تفكيك الصورة السائدة، يُتهم بزعزعة الانسجام أو بالتشويش على المسار، وكأن الإجماع مقدّس، والاختلاف عيب يجب دفنه، لا شيء أكثر ضررًا من نقدٍ يُطلب ولا يُحتمل، ولا شيء يقتل روح المؤسسة مثل قيادة لا تؤمن بأن المراجعة قوة لا إهانة، فالثقة لا تعني غلق باب المحاسبة، بل تعني فتح الباب أمام الحقيقة مهما كانت مُحرجة.
التمكين الحقيقي يبدأ حين تتحمّل الإدارة مسؤولية أن ترى ذاتها كما هي، لا كما تحب أن تُرى، وأن تسمح للمرآة بأن تُظهر التجاعيد بدل أن تُغطّيها، فالتغيير لا يولد من الرضا، بل من القلق النبيل، ومن الجرأة على الاعتراف بأن ما وصلنا إليه ليس بالضرورة ما نستحقه، نحن نعلن الإبداع المؤسسي في المؤتمرات، ونرفع رايات الابتكار في العناوين، ثم نشوّه صورة المبدعين بتجميد أصولهم الفكرية، ونطمر أسئلتهم خلف صمت الهيكل، في بيئة كهذه، لا يولد الجديد، بل يُقصى، ولا يُحتفى بالاختلاف، بل يُعزل، وحين يصبح التجميل بديلاً عن التحوّل، يصبح كل إعلان عن التطوير مجرّد محاولة أنيقة لتأبيد الجمود.
التغيير لا يبدأ بإجراءات إدارية تُضاف إلى الجداول، بل بتحوّل في وعي يحرّك المؤسسة من داخلها، تبدأ ملامحه حين تُستعاد المراجعة النقدية إلى موقعها الطبيعي، كوسيلة يومية للفهم والتحسين، لا كاستجابة طارئة للأزمات، وحين تصبح الحقيقة جزءًا من الحوار، لا شيئًا يُخشى ظهوره في نهاية كل تقرير، تبدأ المؤسسة في بناء مساحات آمنة لطرح النقد دون خوف، فالثقافة التي تنصت للناقد، لفهم ما وراء صوته، هي ثقافة قادرة على التجديد، لأن التجديد يبدأ من الاعتراف لا من التحسين الظاهري، كما ان التحول الحقيقي يُحدث حين لا يُرى الموظف كمنفذ، بل كمشارك في البناء، وعندها، يتحول النظام من جهاز متصلب إلى جسد يتعلم، يكتسب التفكير التصميمي هنا دورًا جوهريًا في إعادة تشكيل بيئة القرار نفسها، لا فقط في تطوير خدماتها، بل في تعديل مسارات اتخاذ القرار وتوسيع مساحة النقد.
يمثل التقييم ركيزة أساسية في أي عملية تطوير مؤسسي، لكنه لا يؤدي دوره الحقيقي إلا حين يُمارس بوعيٍ نقدي لا شكلي، ويُستخدم كأداة لفهم الواقع بدلًا من تزكيته، وتُصبح الأرقام ذات معنى عندما تُقرأ في ضوء الأسئلة الصحيحة، لا عندما تُستخدم فقط لإثبات الرضا الظاهري، فالتقييم الذي لا يُسلّط الضوء على مناطق القصور، يكرّس تكرارها، والمؤشرات لا تكون مفيدة ما لم تفتح نقاشًا جادًا حول الاتجاه، لا الاكتفاء بمظاهر التحسين المؤقتة، إن التقييم الجيد هو الذي يُبرز الفجوات ويوجه القرارات نحو العمق، لا نحو الطمأنة الشكلية، كل ذلك لا يتحقق ما لم تُبْنَ بيئة نفسية تسمح بالخطأ وتحتضن التجريب، وتعيد تعريف الحوار كأداة تنمية لا مراقبة، هناك فقط، تُولد الاجتماعات لا لجمع النقاط، بل لاكتشاف المسارات.
النجاح المؤسسي لا يُقاس بعدد الإنجازات الظاهرة، بل بقدرته على إحداث فرقٍ حقيقي يترك أثرًا يتجاوز اللحظة، ويبقى السؤال الجوهري، هل ما نقوم به يخلق قيمة مستدامة؟ وهل يمكن لما ننجزه أن يستمر بعد غيابنا؟ فالمؤسسات التي ترفض مواجهة واقعها تعيد إنتاج أزماتها، مهما بدّلت مظهرها أو غيّرت لغتها، فحين تُفقد المرآة قدرتها على العكس الصادق، لا يعود التجديد ممكنًا، بل يتحوّل إلى تكرار بزاوية مختلفة، وكل مؤسسة تخشى النقد الداخلي، لن ترى طريق المستقبل بوضوح، مهما كثرت شعاراتها أو تجمّلت رؤاها، وما نحتاجه في النهاية ليس مجرد عدسة جديدة نُبدّل بها زوايا النظر، بل عينًا شجاعة تحتمل رؤية ما يُخالف المألوف، وتملك الجرأة على مواجهة الذات قبل الآخرين.





























