الصحوة – عبير الرجيبية
تعد ظاهرة انتشار المخدرات والمؤثرات العقلية أحد الظواهر السلبية التي تتسلل إلى المجتمعات الإنسانية, والتي تنتشر بين أوساط الشباب والمراهقين وقد تحدث تداعيات سلبية خطيرة على صعيد الفرد و الأسرة والمجتمع لما تحويه من سموم متنوعة, وتسعى كافة دول العالم لمحاربة هذه الآفة والحد من تناميها بين أفراد المجتمع وبذل شتى الجهود بين كافة الجهات المعنية.
الأسباب التي تؤدي إلى تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية
في هذا الصدد, يقول حمد الرجيبي حول أسباب انتشار ظاهرة الإدمان أن الفرد قد يلجأ للمخدرات والمؤثرات العقلية نتيجة لعدة أسباب وعوامل, إذ أن قلة الوازع الديني يسهم بشكل كبير في انحراف الفرد عن الطريق القويم وتخليه عن قيمه ومبادئه الدينية والأخلاقية واتباع طريق الهلاك والضرر والذي بدوره يفسد كافة العبادات المفروضة للفرد, كما أن أوقات الفراغ وعدم شغل النفس بما يعود لها بالنفع يزيد من حالة الملل والضجر لدى الفرد, مما يدفعه لخوض تجربة المخدرات والمؤثرات العقلية, لذا يحرص الفرد بشغل أوقات الفراغ واستغلاله بممارسة الأنشطة والهوايات المفضلة كالرياضة وتنمية المواهب وتعلم مهارات جديدة والمشاركة في الأعمال التطوعية وغيرها الكثير. إضافة إلى ذلك فإن للصحبة والأقران دور كبير في التأثير بمن حولهم, فكما يقولون “الصاحب ساحب” فقد يروج بعض الأقران لهذه المنتجات بطريقة سلبية بهدف الإغواء والتضليل واستغلال أصدقائهم لمصالحهم الشخصية, وهنا يكمن دور الأسرة في مراقبة الأبناء والاطلاع على سلوكياتهم بطريقة قائمة على الثقة وتعزيز الحوار بينهم وتوجيههم لاختيار أصدقاء جيدين والابتعاد عن البيئات السيئة. كما يدفع الفضول وحب التجربة البعض إلى تعاطي المخدرات دون أخذ العواقب بعين الاعتبار والتساهل في اكتشاف المزيد من الأنواع حتى يصل المتعاطي إلى مرحلة الإدمان.
الآثار الصحية التي يتعرض لها مدمن المخدرات والمؤثرات العقلية
تقول نورة الزدجالية “مدرب إكلينكي في مركز بيوت التعافي بمستشفى المسرة”, يتعرض مدمن المخدرات والمؤثرات العقلية للعديد من الآثار الصحية والنفسية والاجتماعية نتيجة لدخول مواد سامة لجسده ويختلف خطر الإدمان وسرعة تحول الشخص السليم لمدمن على حسب العقار. تتسم بعض العقاقير، مثل المسكنات أفيونية المفعول، بمعدل خطورة أعلى حيث تسبب الإدمان بسرعة أكبر من غيرها, ومن أبرز هذه الآثار:
١- اضطرابات في المزاج والنوم
٢- فقدان السيطرة على العضلات
٣- فقدان الشهية
٤- الضعف العام
٥- التهابات في الدم
٦- التهاب الكبد الوبائي
٧- تغيرات في السلوك كالسلوك العدواني والاضطراب الذهني
٨- هلاوس سمعية وبصري
٩- فقدان الشغف في الحياة والشعور بالاكتئاب
١٠ – التعرض للحوادث وحدوث إعاقات أو العجز
١١- زيادة سرعة القلب وارتفاع ضغط الدم أو التعرض لنوبة قلبية
ومع استمرارية التعاطي على مر السنين تتراكم المشاكل الصحية للمدمن وتزداد سوءً ويصبح التعامل معها أكثر تعقيداً.
أساليب علاج الإدمان
يقول محمد غزاله “مدير مستشفى الأمل الدولي لعلاج الإدمان بمحافظة جنوب الباطنة”, يتطلب علاج الإدمان نهجًا شاملاً يجمع بين العلاجات الطبية والنفسية والاجتماعية لضمان التعافي المستدام. وتختلف أساليب العلاج من شخص لآخر, حيث توضع خط فردية وبرنامج علاجي يتناسب مع حالة المدمن بهدف الوصول إلى أفضل النتائج خلال هذه المرحلة, يمكن تقسيم أساليب العلاج إلى عدة مراحل:
أولًا/ العلاج الطبي: وهي أول مراحل العلاج, حيث يتم سحب المادة المخدرة من الجسم “التخلص من السموم” وهي طريقة طبية آمنة, قد يحتاج المريض في هذه المرحلة إلى أدوية تقلل الأعراض الإنسحابية مثل “الميثادون” و”البوبرينورفين” لعلاج إدمان الأفيونات, و”النالتريكسون” لمنع الانتكاس. وفي مستشفى الأمل يتم التعامل مع كافة المضاعفات الوارد حدوثها أثناء فترة إزالة السموم تحت إشراف فريق طبي مؤهل يمتلك الخبرة والكفاءة العالية.
ثانياً/ العلاج النفسي والسلوكي: أو ما يسمى بالعلاج السلوكي المعرفي ويتم في هذه المرحلة تغيير أنماط التفكير والسلوك المرتبطة بالإدمان ومساعدة المتعاطي على إيجاد الدافع للإقلاع عن المخدرات من خلال التحفيز والدعم الإيجابي المستمر.
ثالثاً/ التأهيل وإعادة الدمج: تحتاج بعض الحالات إلى الإقامة في مراكز متخصصة لفترة محددة, يتم خلالها تلقي العلاج المناسب مع الدعم الأسري والمجتمعي لمنع الانتكاس والانضمام إلى مجموعات دعم بعد العلاج, كما يتم في هذه المرحلة تأهيل المتعاطي تأهيلا مهنياً لمساعدته على العودة إلى العمل والدراسة.
ماهي مدة علاج الإدمان؟
تختلف مدة علاج الإدمان من شخص لآخر بناءً على عدة عوامل مثل نوع المادة المخدرة ومدة التعاطي وحالة المريض الصحية والنفسية ومدى التزامه بالعلاج, بشكلٍ عام يمكن توزيعها إلى أربعة مراحل:
أولاً/ مرحلة التخلص من السموم: تستغرق عادة من 7 – 14 يوماً بحسب نوع المادة المخدرة وأعراض الانسحاب التي يمكن أن يتعرض لها المتعاطي, تتم هذه المرحلة تحت إشراف طبي.
ثانياً/ مرحلة العلاج السلوكي والتأهيل النفسي: تتراوح بين 1 – 6 أشهر ويمكن أن تمتد لفترة أطول في بعض الحالات. تشمل الدعم النفسي والسلوكي وتطوير مهارات التعامل مع الضغوط لمنع الانتكاس.
ثالثاً/ مرحلة إعادة التأهيل والدمج المجتمعي: قد تستمر من 6 أشهر إلى سنتين وتتضمن متابعة دورية وجلسات متنوعة تهدف إلى مساعدة المتعافي على بناء حياة جديدة متسقرة خالية من المخدرات والمؤثرات العقلية.
رابعاً/ مرحلة المتابعة ومنع الانتكاس: تستمر هذه المرحلة مدى الحياة, حيث يحتاج المتعافي إلى بيئة داعمة واستراتيجيات تمنع العودة إلى الإدمان. وفي مستشفى الأمل يتم توفير خدمات علاجية مستمرة لمنع الانتكاس وتقديم كافة طرق إعادة الدمج التدريجي على صعيد الفرد والأسرة والمجتمع.
كيف يمكن الوقاية من مرض الإدمان؟
تعتمد الوقاية من الإدمان على عدة عناصر ترتبط بأسباب الوقوع في الإدمان, فمعرفة سبب الإدمان يحدد أسلوب الوقاية منه, نستعرض في النقاط التالية أبرز الطرق المتبعة للوقاية من إدمان المخدرات والمؤثرات العقلية:
أولاً/ التوعية والتثقيف: وذلك من خلال نشر الوعي حول مخاطر المخدرات وأضرارها على الفرد, وتعزيز دور الأسرة في تقديم النصح والإرشاد للأبناء وكذلك تفعيل دور المؤسسات التعليمية من خلال إقامة الورش والمحاضرات ودمج مناهج دراسية تعزز الوعي الصحي لأفراد المجتمع.
ثانياً/ دعم الصحة النفسية: يلعب الدعم النفسي دوراً كبيراً في الوقاية من الوقوع في تعاطي المخدرات, سواءً كان على مستوى الأسرة أم الأصدقاء أم المجتمع بشكل عام.
ثالثاً/ فرض قوانين صارمة: من خلال تشديد الرقابة على تداول المخدرات وتجريم التعاطي والاتجار بها.
رابعاً/ الاكتشاف المبكر للحالات المعرضة للخطر: يكمن في التدخل المبكر لعلاج الأشخاص المعرضين للإدمان وتوفير مراكز استشارات تتيح للأفراد اللجوء لها عند الحاجة وتوفير خطوط دعم مجانية لتفادي الوقوع في هذه المشكلة مع مراعاة الأوضاع المادية للأفراد.
دور شرطة عمان السلطانية والمتمثل في “الإدارة العامة لمكافحة المخدرات
تسعى سلطنة عمان بشكل دائم في مكافحة انتشار المخدرات والمؤثرات العقلية على صعيد المجتمع العماني, حيث تبذل كافة المؤسسات المعنية جهودا كبيرة في الحد من تنامي هذه الآفة السلبية حرصا منها على بناء أجيال سليمة خالية من المخدرات والمؤثرات العقلية, ومن هذا المنطلق واستناداً إلى النظام الأساسي للدولة وفي إطار تصدي المخدرات صدر المرسوم السلطاني رقم 17/99 بشأن قانون المخدرات والؤثرات العقلية والمعدل بالمرسوم السلطاني رقم 34/2015 والتي يتضمن عدة جوانب من أبرزها الجوانب التنظيمية والوقائية والعلاجية والعقابية وينفرد كل جانب بمهام وقوانين تشريعية تسهم في مكافحة هذه الظاهرة. وعلى صعيد المحافظات إدارة مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية بمحافظة جنوب الباطنة العديد من الجهود والتي تتمثل في تشديد الرقابة على الشواطئ الساحلية وعمل نقاط تفتيش على طول الشريط الساحلي بجنوب الباطنة بالتعاون مع وحدة شرطة كلاب الشرطة, إضافة إلى أنها قامت بإعداد حافلة متنقلة تجوب محافظات السلطنة بهدف التعريف بواقع هذه الظاهرة, والمشاركة في اللقاءات والندوات التعريفية ونشر وتوزيع المطويات والمنشورات التي تهدف إلى توعية الأفراد. وتشارك سلطنة عمان دول العالم في الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية والذي يصادف السادس والعشرين من شهر يونيو من كل عام ويأتي شعار هذا العام (كسر القيود: الوقاية والعلاج والتعافي للجميع).
ويهدف هذا اليوم إلى تكثيف عمليات التوعية للوقاية من أضرار المخدرات والمؤثرات العقلية والتأكيد على حق المتعاطي في التعافي من الإدمان وأهمية التعاون المجتمعي.


























