عنود الشحية – الصحوة
استنادًا إلى دراسة مدعومة من جامعة السلطان قابوس لم يكن يتحدث كثيرًا، ولا يشتكي.. كل ما لاحظه أهله هو تغيّره المفاجئ، ميله للعزلة، نومه الطويل، وشروده الغريب، فقالوا: “محسود”، وربما “مدلّل أكثر من اللازم”. أخذه والده إلى شيخ ليقرأ عليه، وفي كل مرة كانت حالته تزداد سوءًا، بينما الكلمات المعتادة من حوله تظل كما هي: “قوّ قلبك”، “ما فيك شي”، و”شد حيلك”.. خلف هذا المشهد، كانت المعاناة تكبر بصمت.
بهذه الملامح بدأت دراسة نوعية، نُشرت في نوفمبر 2023 في مجلة علمية محكّمة تُعنى بالصحة العامة، تحت عنوان: “التجربة الحياتية للمراهقين والشباب العُمانيين المصابين باضطرابات نفسية”، وقد أعدّها فريق بحثي ضم اثني عشر باحثًا من داخل السلطنة وخارجها، وبدعم من جامعة السلطان قابوس.
ركّزت الدراسة على روايات خمسة عشر شابًا وشابة من مختلف ولايات السلطنة، تتراوح أعمارهم بين 13 و22 عامًا، يعيشون مع اضطرابات نفسية مزمنة، ومن خلال مقابلات شخصية معمّقة، تم تتبع تفاصيل هذه التجارب، ليس على مستوى الأعراض الطبية، بل من الزاوية التي تُغفلها أغلب الأوراق العلمية: كيف يشعر هؤلاء فعلًا؟ وكيف يعبّرون عن معاناتهم في مجتمع لا يمنح للصحة النفسية مساحة كافية للفهم أو الاحتواء؟
بدأت الحكايات من لحظة الاكتشاف الأولى، التي غالبًا ما اتّسمت بالإنكار أو إسقاط التفسير على مفاهيم مثل الحسد أو السحر أو قلة الإيمان، تقول إحدى المشاركات: “كنت أنام طوال اليوم، لا أريد أن أرى أحدًا، لكنهم ظنّوا أنني كسولة أو مدللة!”. بينما عبّر شاب آخر عن صدمة أسرته منه بقوله: “ظنوا أنني أبحث عن اهتمام… ولم يتعاملوا مع ألمي بجدية”.. هذا الإنكار المجتمعي قاد إلى تأخر التشخيص، ومرور الحالات عبر قنوات غير طبية، كالرقية أو التجاهل أو وصف الحالة بأنها “حالة مؤقتة”.
وفي المرحلة التالية، بعد بداية العلاج، تحدّث بعض المشاركين عن جلسات وصفوها بالسريعة والسطحية، تقول إحدى الفتيات: “دخلت على الطبيب، كل شيء تم خلال عشر دقائق!، خرجت وأنا لا أعرف ماذا أفعل”، بينما أشار آخر إلى أن “الدواء الذي صُرف لي سبّب لي كوابيس… لم أكن أعاني منها من قبل!”.
لكن الأكثر حضورًا في شهاداتهم كان الغموض الذي يلف مستقبلهم، فتاة تبلغ 18 عامًا قالت: “ضاعت سنة من عمري، ولا أعلم متى سأعود للمدرسة”، فيما عبّر شاب عن مشاعر متراكمة بقوله: “أشعر أنني سأفقد السيطرة مرة أخرى… لا أحد سيفهمني حينها”.. وسط هذا الالتباس، يبدأ بعضهم بالانسحاب من الحياة اليومية تدريجيًا، ليس لأنه يريد ذلك، بل لأنه لا يرى طريقًا واضحًا للعودة.
ومع ذلك، لم تخلُ هذه التجارب من لحظات فارقة، أحد المشاركين قال: “عندما تحدثت مع أخصائية في مدرستي، شعرت لأول مرة أنني لست وحدي”. مثل هذه الجملة البسيطة كانت كفيلة بتبيان الفارق الذي يمكن أن تُحدثه كلمة في الوقت المناسب، أو إصغاء حقيقي لا يشكك في الألم.
خرج الباحثون في نهاية الدراسة بتوصيات تمسّ البنية النفسية في النظام التعليمي والصحي، من بينها دمج الصحة النفسية في المناهج، وتوفير الدعم داخل المدارس والجامعات، وتدريب الأطباء والمعالجين على تطوير مهارات التواصل العلاجي، إلى جانب إعادة تصميم البرامج العلاجية بما يتماشى مع الخصوصية الثقافية العُمانية.
في بيئة تُحب الصمت وتخجل من السؤال، لا يحتاج الشاب إلى تشخيص دقيق بقدر ما يحتاج إلى من يفهمه. وما بين صمت الأسرة، وضيق الخيارات، وازدحام المشاعر، تبقى المساحة النفسية في حياة كثير من الشباب معلّقة بين المجهول، واللا اعتراف!. الدراسة نُشرت في مجلة PlOS ONE ، وهي مجلة علمية محكّمة ومُعترف بها عالميًا ، تُعنى بنشر الأبحاث المعتمدة وفق معايير علمية دقيقة.



























