الصحوة – علي الحداد
في ظلّ ألسنة النار وصدى الانفجارات التي مزّقت جسد اليمن، أشرقت سلطنة عُمان كواحة إنسانية ومرفأ للأمل، تمارس ضميرها الحي لا عبر الكلمات، بل بالفعل الهادئ النبيل. تمدّ يدها لتضمّد الجراح، وتمنح المكلومين ما هو أعمق من العلاج: كرامة الإنسان.
منذ اللحظة الأولى لانفجار الصراع، فُتحت أبواب المستشفيات العُمانية أمام اليمنيين، تنفيذًا لتوجيهات سامية من المغفور له السلطان قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – واستمرارًا لهذا النهج الإنساني النبيل في عهد جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله. لم يكن الموقف استثنائيًا أو مؤقتًا، بل امتدادٌ لسياسة عُمانية ثابتة، تنبع من قيم الجوار وأصالة الأخوّة.
الرحمة على هيئة مؤسسات
في مدينة صلالة، يقف مستشفى السلطان قابوس كخط دفاع أول أمام وجع القادمين من الشرق اليمني، يحتضن جرحى الحرب بوعي إنساني وطاقم طبي مشحون بالرحمة. هناك، لا يُمارس الطب كمهنة فحسب، بل كرسالة عبور نحو برّ الأمان.
وفي قلب العاصمة مسقط، تنسج عُمان خريطة من الرعاية الطبية المتقدمة، تنبض بالكفاءة والاحتراف، وتضم:
• المستشفى السلطاني: منارة الطب التخصصي، حيث تُواجه أخطر الأمراض بالأمل والعلم، من الأورام إلى أمراض القلب والرعاية الحرجة.
•مستشفى خولة: جبهة متقدمة في جراحات العظام، حيث تعود الحركة إلى من عرقلتهم الحرب.
•مستشفى جامعة السلطان قابوس: لقاء بين المعرفة والرحمة، لا سيّما في رعاية الأطفال المصابين بأمراض مزمنة.
•مستشفى النهضة: عماد الرعاية الأولية والثانوية، بمرافق متخصصة ترافق المريض من البداية إلى مرحلة التعافي.
•مستشفى المسرة: حيث يُعاد ترميم ما تمزق في الداخل، ويُعالج من أثقلته الحرب نفسيًا.
•المدينة الطبية في الخوض: منشأة حديثة متخصصة لعلاج إصابات العمود الفقري بتقنيات دقيقة، تُجرى في ظل وعي كامل، وبأيدٍ عسكرية طبية مدرّبة.
وتكتمل هذه المنظومة بمراكز القلب والسكري والتأهيل، حيث يُستقبل اليمنيون بوجه باسم وعناية صامتة، لا تُفاخر ولا تتفاخر.
حيث يُصنع الأمل من جديد
في صلالة أيضًا، يقف مركز الأطراف الصناعية كعلامة فارقة في المشهد الإنساني؛ لا يُركَّب فيه طرف فحسب، بل تُمنح حياة جديدة. هناك، يُعاد بناء الكرامة والجسد معًا، ويُصاغ الرجاء بأدوات دقيقة وقلوب واسعة، ليغدو الجريح شخصًا فاعلًا لا متلقيًا فقط.
عُمان داخل اليمن: رحمة لا تعرف الحدود
لم تكتفِ سلطنة عُمان باستقبال المتألمين، بل مضت بخطواتها إلى عمق الأرض اليمنية. في محافظة المهرة، تأسس مستشفى السلطان هيثم بدعم شامل من السلطنة، ليكون نبضًا طبيًا في جسد منطقة أنهكها الإهمال والتغييب. هناك، كانت عُمان حاضرة حيثما تراجعت الخدمات، تثبت أن الإنسانية لا تتوقف عند حدود.
مواقف تولد من القيم لا الحسابات
ما يميز الموقف العُماني أنه لا يُقاس بموازين الربح والخسارة، ولا يُشهر كمقابل لمواقف سياسية. هي يد ممدودة في صمت، لا تسأل ولا تشترط، تمارس الأخوّة كفطرة، والرحمة كخيار وطني. عُمان كما عهدها التاريخ بيت سلام لا يُقحم نفسه في الخصومات، بل يختار أن يبني بينما يتهدم الآخرون.
دواء يعبر إلى السلام
لم تكن عُمان تداوي جراح اليمنيين فقط، بل كانت تبلسم أرواحهم، وتعيد إليهم الثقة في معنى الجوار الحقيقي. ما فعلته هو أكثر من علاج جسدي، إنه بناء صامت لجسر متين من الإنسانية، يبدأ من الضمادة وينتهي عند السلام.
ففي عالم تتنازع فيه الأجندات، اختارت عُمان أن تكون الصوت الذي يُعيد الإنسان إلى صدارته، والرحمة إلى مكانها الطبيعي.
وهكذا تستمر عُمان، ليس فقط في مداواة الجراح، بل في بناء وطن عربي لا يُهزم حين تكون الرحمة قاعدته .



























