الصحوة : علي الحداد
في غزة، كل يومٍ يرحل طفلٌ فلسطيني. بعضهم يُسحق تحت ركام بيت دُمّر فوقه، وبعضهم يُمزّق بصاروخ لا يرحم، وآخرون يذبلون ببطء، كما تذبل زهرة نُزِع عنها الضوء والماء والهواء. يموتون تحت القصف، تحت الحصار، وتحت سياسة التجويع الكامل.
لم يعد استشهاد الأطفال استثناءً، بل صار مرآة لحقيقة لا يمكن إنكارها: نحن أمام حربٍ شاملة لا تستثني وسيلة، ولا ترحم صغيرًا. مجاعة ممنهجة، لا أزمة غذائية عابرة. تجويع يُدار كاستراتيجية، لا كنتيجة جانبية. سلاح جديد تُفعّله إسرائيل بدمٍ بارد، وتدعمه قوى كبرى، ويصمت حياله العالم.
التجويع: من عَرَض جانبي إلى استراتيجية عسكرية
منذ أكتوبر 2023، دخل قطاع غزة مرحلة جديدة من الحرب. ليس في شدّة القصف فقط، بل في طبيعة أدوات القتال: الطعام، والماء، والدواء باتت هي ميادين المعركة. لا حاجة لاحتلال بري شامل، طالما أن السيطرة على الخبز والحليب أكثر فاعلية في كسر الإرادة.
الحصار شُدّد أولًا، ثم مُنعت المساعدات، ثم استُهدفت نقاط توزيعها، حتى بلغنا مرحلة التجويع الكامل. لا صدفة في ذلك. في كواليس السياسة الإسرائيلية، لم يكن الأمر ارتجالًا، بل طُرح في “الكابينت” كخطة بديلة عن الاجتياح، قالها نتنياهو صراحة:
“شدّدوا الحصار.. دعوا الجوع يُخضعهم.”
وهكذا، لم تعد المجاعة نتيجةً جانبية للحرب، بل سياسة حرب بحد ذاتها.
الطعام كورقة ضغط .. والطفل كأداة تفاوض
في غزة اليوم، لا وجود لمجرد مساعدات. الغذاء نفسه تحوّل إلى أداة تفاوض. من يحصل على كيس دقيق، يجب أن يعبر معادلات أمنية معقدة. ومن يوزّع المعونات، قد يلقى مصرعه في كمين سياسي أو عسكري.
حتى المؤسسات الإغاثية لم تعد ملاذًا. بعضها مثل مؤسسة “غزة الإنسانية” تحوّل إلى أداة رقابة وتجويع ناعم، يُدار بغطاء دولي. والأسوأ، أن ميليشيات مسلحة محلية بدأت تظهر، تتلقى الدعم من جهات مشبوهة، وتُمارس القمع باسم “النظام”، لتُحاصر الغزي ليس فقط من الجو والبر، بل من الداخل أيضًا.
واشنطن .. شريك مباشر في المجاعة
في مايو الماضي، أطلقت الولايات المتحدة ما سُمِّي “آلية جديدة لإدخال المساعدات”. بدا الأمر واعدًا، حتى تبيّن أنه خدعة استراتيجية. لا دخول فعليًا، ولا وصول حقيقيًا للمحتاجين. يقود المشروع شخصية لاهوتية، القس الإنجيلي “جوني مور”، أحد رموز اليمين المسيحي المتصهين.
هذه ليست مبالغة، بل تورط رسمي في تحويل المساعدات إلى أداة هيمنة دينية وسياسية. المجاعة هنا لا تُترك للمصادفة، بل تُصمَّم على يد مستشارين يرون أن “خلاص إسرائيل” يتطلب “محو الفلسطيني”.
عجز العدالة .. وصمت الإقليم
صدرت قرارات من محكمة العدل الدولية؟ نعم، ولم تُنفذ. أطلقت الأمم المتحدة تحذيرات؟ بالتأكيد، ولم تُتبع بخطوات.
أما العالم العربي والإسلامي، فاختار دور المتفرج القلق. القمم تُعقد، والبيانات تُنشر، والشاحنات تتكدّس على أبواب رفح، لكن الأطفال يموتون على بعد أمتار.
لماذا؟ لأن أحدًا لا يريد الاشتباك مع إسرائيل. لا سياسيًا، ولا عسكريًا، ولا حتى إنسانيًا.
عُمان .. صوتٌ لا يُشترى
لكن في هذا الصمت العربي العريض، برز صوت لم يُبدَّد في زحام التردد: صوت سلطنة عُمان.
اتخذت مسقط موقفًا واضحًا لا يقبل اللبس، مدفوعة بمبادئ إنسانية أصيلة وسياسة خارجية حكيمة تقوم على العدل والسلام.
أكد وزير الخارجية العُماني، معالي السيد بدر البوسعيدي، أن منع المساعدات الإنسانية عن سكان غزة يمثل “جريمة بموجب القانون الدولي”، داعيًا إلى تحقيق دولي مستقل لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. لم تكن تلك الكلمات مجرد مجاملة دبلوماسية، بل تعبيرًا صادقًا عن موقف راسخ يرى في التجويع والحصار صورة من صور العقاب الجماعي المرفوض إنسانيًا وأخلاقيًا.
وفي المساجد، ارتفعت الدعوات من على المنابر، تُقام صلاة الغائب على شهداء غزة كل جمعة، وكأن عُمان بأكملها تؤدي واجب العزاء وتقف في خندق التضامن.
ولم يغب الصوت الديني؛ إذ دعا مفتي عام السلطنة، الشيخ أحمد الخليلي، المسلمين وأحرار العالم إلى نصرة الفلسطينيين بكل الوسائل، مؤكدًا أن الصمت خيانة، وأن الوقوف إلى جانب المظلوم واجب شرعي.
ولم تكتفِ السلطنة بالتنديد. شاركت في المحافل الدولية، دعمت المبادرات الإغاثية، وكانت حاضرة بفاعلية في القمم العربية والإسلامية، مطالبة بتحرك حقيقي لكسر الحصار وإنهاء العدوان.
في كل موقف، بدت عُمان وكأنها تُذكّر العالم أن العدالة ليست خيارًا، بل ضرورة، وأن الوقوف مع غزة لا يُقاس بميزان المصالح، بل بمقياس الإنسانية.
إن موقف سلطنة عُمان، سياسيًا وروحيًا وإنسانيًا، يمثل نموذجًا لما يجب أن تكون عليه مواقف الدول في أوقات الأزمات: ثابتة، أخلاقية، ومبنية على الحق.
ما العمل؟ بين الخوف والإرادة
لن يُكسر الحصار بالجنازات، ولا تُهزم المجاعة بالبيانات. الجوع لا يستجيب لنداءات التنديد، بل يُهزم بالإرادة السياسية.
المطلوب اليوم ليس أمنيات، بل:
• تحالف عربي إسلامي يُنفذ قراراته السابقة، ويفرض إدخال المساعدات عنوة.
• فتح المجال أمام الشعوب لتضغط وتُحرّك الشارع السياسي.
• فهم المقاومة لا كمشروع عسكري، بل كحق إنساني للدفاع عن الحياة.
خاتمة: لا أحد ينجو بالصمت
غزة لا تجوع من قلة الخبز، بل من كثرة الخذلان.
هناك من يقرّر تجويعها كل صباح، وهناك من يبرر، ومن يصمت، ومن يساوم.
السؤال اليوم ليس فقط: من يُجَوّع غزة؟
بل: من يشارك في ذلك بصمته؟ ومن يجرؤ على الكسر؟
لقد حان الوقت لنكفّ عن التساؤل، ونبدأ الفعل.
لأن المجاعة قرار سياسي .. وكسرها أيضًا قرار سياسي.



























