الصحوة – علي الحداد
في عالم يتقاطع فيه الإعلام بالتحريض، وتتنازع فيه الأجندات على الفضاءات الافتراضية، تطل علينا بين الحين والآخر دعوات من وراء الحدود، تتشح بعبارات الحرية وتزعم الدفاع عن الحقوق، بينما هي في جوهرها تحرّكها رغبات تصفية حسابات، أو مطامع لا ترى في الأوطان سوى ساحات للشد والجذب.
هذه الدعوات، وإن لبست عباءة السلمية، فإن توقيتها، وطريقة طرحها، ومصدرها الخارجي، تضعها محل تساؤل. من يُرد الإصلاح لا يُشعل النار من الخارج، ولا يهيّج الداخل عبر منصات عابرة لا تعي خصوصية المكان ولا نَفَس الإنسان.
الداخل هو الأحق بالقرار
لقد اختار البعض الابتعاد عن الوطن، لأسبابهم، أو من خلال منافذ اللجوء السياسي أو الاختلاف الفكري، وهو خيار شخصي لا يُحاكم عليه أحد. لكن ما يُثير الاستغراب أن يُنصّب هؤلاء أنفسهم ناطقين باسم الداخل، ويبدأوا في ضخ دعوات للاعتصام والتجمهر، دون إدراك لما يواجهه المواطن من تحولات معيشية واقتصادية، يعيشها بتدرج، ويواجهها بحسّ وطني راسخ.
فكيف لمن غادر أن يختزل مشهدًا لا يعيشه؟ وكيف لمن يرفض القنوات الداخلية أن يدّعي تمثيل صوت الشعب؟
بين الحق المشروع والتوظيف المشبوه
نعم، في عُمان، النقد حق، والمطالبة بالإصلاح مسار مشروع، والدستور يضمن حرية التعبير ضمن النظام العام. لكن متى ما تحوّل النقد إلى تحريض، والمطالبة إلى فوضى، فإن الخط الفاصل قد تم تجاوزه.
لقد أثبت العُمانيون عبر عقود، أن البناء لا يكون بكسر السقف، بل برفع المطالب تحت ظله. وأن الحرية لا تكتمل إلا حين تُمارَس بمسؤولية، ويُحافَظ من خلالها على السكينة لا أن تُستَغل لتقويضها.
عُمان تتسع للنقد .. وترفض الابتزاز
ما يُطرح في غرف إلكترونية مجهولة أو عبر مساحات صوتية عابرة، لا يُعبّر بالضرورة عن واقع المجتمع، بل يُمثّل وجهات نظر لفئة اختارت التعبير من الخارج، متأثرة بظروف ومعطيات تختلف عن تلك التي يواجهها المواطن في حياته اليومية داخل الوطن.
لا أحد فوق النقد، ولا أحد خارج المحاسبة. لكن حين يصبح الاعتراض أداة لتشويه مؤسسات الدولة، أو وسيلة للتهييج، فإننا لا نكون أمام إصلاح، بل أمام ابتزاز سياسي وانفصال أخلاقي عن الوطن.
صوت الداخل أعلى، لأنه أصدق. ومن يرى في هذا الشعب ساحة خصومة، أو يُغذّي الانقسام، فإنه لا يعرف جوهر هذه الأرض، ولا عمق ولاء شعبها.
الوحدة الوطنية ليست شعارًا
عُمان، بتاريخها، ليست طارئة على السياسة ولا حديثة عهد بالتحديات. وشعبها، بطبيعته، لا ينجرّ خلف الصخب، بل يحتكم إلى العقل والحوار. هذا ليس خضوعًا كما يُروَّج، بل نضجٌ سياسي واجتماعي، جعل من التجربة العُمانية نموذجًا في التماسك وقت الأزمات.
إنَّ الوحدة الوطنية في عُمان خط أحمر، لا تُهدَّد بهاشتاغ، ولا تُخترَق بخطاب خارج السياق. فالعُمانيون، بمختلف أطيافهم، يجتمعون على قناعة راسخة: الاستقرار رصيدٌ لا يُبدَّد، والفوضى لا تأتي بإصلاح، بل بانهيار.
الحكمة نهجٌ لا يُشترى
السلطنة لم تغلق يومًا أبواب التعبير، بل فتحت النوافذ القانونية والبرلمانية والإعلامية للمطالبة والمساءلة. لكن في المقابل، تبقى الدولة مسؤولة عن حماية النظام العام، ومنع أي محاولة سواء من الداخل أو الخارج تهدف إلى زعزعة الثقة أو المساس بسلامة المجتمع.
خاتمة: الوعي درع الوطن
التصدي لهذه الدعوات لا يكون بالأمن وحده، بل بالوعي الجمعي، بالحوار، بالانفتاح، وبالثقة المتبادلة بين المواطن والدولة. فالمجتمع الحيّ هو الذي يُحصِّن نفسه من الداخل، لا الذي ينتظر من يحميه من الخارج.
عُمان وسلطانها أولًا، ووحدتها فوق كل اعتبار. والحرية مسؤولية لا فوضى. والكرامة لا تُنال بالضجيج، بل بالبناء والمشاركة، والعمل المشترك من داخل البيت لا من خارجه .

























