الصحوة – علي الحداد
عندما يتطلب العمق التأمل .. لا التسرع
في عالم يتسارع فيه إيقاع الأحداث، وتُستهلك فيه الخطابات السياسية لحظيًا، تبدو العودة إلى كلمة أُلقيت قبل عدة أشهر أمرًا غير مألوف، وربما حتى متأخرًا. لكن بعض الكلمات لا تُقال لتُنسى، بل لتُستعاد وتُقرأ على مهل، لأنها تنبع من رؤية استراتيجية، وتتجاوز اللحظة الآنية إلى ملامسة جوهر العلاقات الدولية والهوية الوطنية.
هذا هو الحال مع كلمة معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير خارجية سلطنة عُمان، التي ألقاها في ٣١ يناير ٢٠٢٥ بالمتحف الوطني العُماني أمام منظمة الرؤساء الشباب. إنها ليست كلمة ظرفية، بل وثيقة فكرية تلخص نهجًا ممتدًا، وتقدم رؤية عُمانية متفردة للدبلوماسية في عالم تتآكل فيه الثقة وتختلط فيه المبادئ بالمصالح.
كما قال الوزير في مستهل كلمته:
“إن الدبلوماسية هي فن التوازن، وقد سعينا إلى إتقان هذا الفن في عمان عبر التاريخ.”
جملة تختصر فلسفة كاملة، تستحق أن تُقرأ اليوم في ضوء ما تلاها من تحولات، بما يمنحنا مسافة تحليلية أعمق لفهم النهج العُماني بهدوء ومسؤولية.
أولًا: الدبلوماسية العُمانية .. هوية متجذرة لا سياسة ظرفية
منذ البداية، يضع معالي السيد البوسعيدي أساسًا واضحًا لفهم الدبلوماسية العُمانية، بوصفها امتدادًا لهوية وطنية وليست مجرد أداة سياسية. يقول:
“بالنسبة لنا، لا تقتصر الدبلوماسية على كونها أداةً للسياسة الخارجية، بل هي جزء لا يتجزأ من نسيج هويتنا.”
ولإضفاء بُعد ثقافي ملموس، يستدعي الوزير نظام “الأفلاج” كاستعارة جوهرية: نظام إدارة المياه الذي يُبنى على التشاور والتقاسم واحترام الحقوق الجماعية. إنها استعارة ذكية تُظهر كيف تنعكس الحكمة المجتمعية على السياسة الخارجية.
“لقد شكّل نظام الأفلاج العمود الفقري لاستمرارية المجتمعات الجبلية منذ آلاف السنين، وكان له تأثير جوهري في صياغة نهجنا في السياسة الخارجية.”
بهذا الربط الفلسفي بين الداخل والخارج، تُقدّم عُمان نموذجًا دبلوماسيًا نابعًا من تراثها، لا من تقليد خارجي أو حسابات ظرفية.
ثانيًا: عُمان والحياد المبدع .. الانخراط بلا انحياز
عادةً ما يُساء فهم الحياد باعتباره ترددًا أو غيابًا عن المشهد. إلا أن معاليه يعيد تعريف هذا المفهوم بمنطق مغاير:
“في الدبلوماسية، ترفض عمان المنطق الثنائي القائم على المواجهة، وترفض المعادلات الصفرية، وترفض سياسة العزلة الطوعية.”
هذا هو ما يمكن وصفه بالحياد المبدع : نهج لا يكتفي بالابتعاد عن الاستقطاب، بل يعمل على الانخراط البنّاء من دون ارتهان. ومن هنا نفهم الدور العُماني في الوساطة في الأزمات، مثل الملف النووي الإيراني وأزمة اليمن، باعتباره امتدادًا لفلسفة راسخة ترفض الاصطفاف لا مبالاة، بل وعيًا استراتيجيًا.
ثالثًا: من فلسطين إلى المناخ .. الأخلاق كمبدأ غير قابل للتفاوض
في تناوله للقضيتين الأبرز عالميًا فلسطين والمناخ .. لم يلجأ السيد الوزير إلى لغة الإنشاء أو التكرار، بل طرح موقفًا أخلاقيًا جريئًا ومتسقًا.
ففي القضية الفلسطينية، ذهب إلى ما وراء البيانات المألوفة، مؤكدًا:
“لن تنعم المنطقة بسلامٍ دائم ما لم تتحقق العدالة للفلسطينيين.”
“لا يمكن لأي خطة سلام أن تكون عادلة أو مستدامة إذا أنكرت على الفلسطينيين حقهم في اختيار قيادتهم.”
أما في ملف المناخ، فقد تجاوز خطاب المناشدات إلى نقد مباشر لثقافة الربح السريع:
“علينا أن نعتمد نهجًا يشجع على التعاون، ويضع الاستدامة طويلة الأمد فوق المكاسب الاقتصادية قصيرة المدى.”
ولم يكن ذلك تنظيرًا فحسب، بل جاء مدعومًا بإشارة واضحة إلى التزام عُمان العملي بمشاريع الهيدروجين الأخضر، ما يُبرز قدرة المبادئ على التحول إلى قيادة تنفيذية مؤثرة.
رابعًا: الثقة كجوهر للدبلوماسية
من أبرز مفاصل الخطاب ما قاله البدر البوسعيدي عن “الثقة”، ليس باعتبارها قيمة مثالية، بل كأداة استراتيجية تُبنى عليها السياسة:
“إن جوهر الدبلوماسية، كما تراه عمان، هو الثقة. إذا أظهرنا لشركائنا أننا نثق بهم، وإذا امتلكنا الشجاعة لاتخاذ خطوات جريئة، فسوف يبادلوننا ذلك.”
هذا المنظور يجعل من الثقة مُقدمة على الاتفاق، وأداة لفهم الخصوم وتفكيك التوترات، قبل اللجوء إلى الردع أو الصدام. وهي فلسفة تُطبّقها عمان في ملفات البحر الأحمر، والخليج، والعلاقات مع القوى الكبرى.
ويختتم معاليه كلمته بلغة إنسانية تعكس هذه الفلسفة:
“الثقة تبدأ بالضيافة. وفي عمان، الضيافة ليست مجرد تصرفٍ كريم، بل هي أسلوب حياة.”
بهذه الجملة، يُعيد ربط السياسة بالأخلاق، والدبلوماسية بالإنسان، والثقة بالتقاليد.
خاتمة .. الاعتدال كقوة، والحوار كخيار استراتيجي
بعد مضي أشهر على إلقائها، تظل كلمة معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وثيقة عابرة للزمن. فهي لا تعكس موقفًا آنيًا، بل تجسد رؤية متكاملة لسياسة خارجية ترتكز على الحكمة والتوازن، وتتجاوز ردود الفعل الآنية.
إنها ليست مجرد خطاب، بل مرآةٌ لهوية، ومنهجٌ لاستقرار طويل الأمد، ترسّخ فيه عُمان مكانتها كدولة عظيمة في هذا العالم ، عظيمة في رؤيتها الأخلاقية وقدرتها على التأثير البنّاء.
وفي عالم يتّجه نحو الاستقطاب، ويضيق بالمساحات الرمادية، تمنحنا هذه الكلمة درسًا في أن الاعتدال ليس ضعفًا، وأن الحياد ليس انسحابًا، وأن الحوار حين يكون نابعًا من الثقة هو أرقى أشكال القوة.
“وفي زمن تبدو فيه الدبلوماسية رهينة الشعبوية والانحيازات الحادة، تعيد كلمة الوزير البوسعيدي تعريف صوت العقل، لا كترف فكري، بل كخيار استراتيجي تشتد الحاجة إليه كلما اشتد اضطراب العالم من حولنا.




























