الصحوة – ظافر بن عبدالله الحارثي
من النادر أن يجتمع في نظام سياسي توازن حقيقي بين الجذور التاريخية الراسخة والآفاق المستقبلية الطموحة، لكن عُمان أثبتت أنها حالة استثنائية في هذا المجال؛ فبناء الدولة لم يكن وليد لحظة عابرة أو ظرف طارئ، بل هو ثمرة مسار حضاري طويل، محفوف بالتجارب الغنية، والنضج السياسي العميق، والإرادة الحكيمة التي تجاوزت محطات الاضطراب.
اختارت عُمان مسارًا مميزًا في بناء الدولة؛ إذ لم تقلّد نماذج خارجية، ولم تخضع لنزعات مؤقتة، بل رسّخت نظامًا سياسيًا سياديًا يعكس خصوصيتها الوطنية وتجربتها الفريدة. يستند هذا النظام إلى نظام أساسي متين يضمن وضوح الصلاحيات، ويفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية، ويحفظ استقلال القضاء، وفي الوقت ذاته يضع جلالة السلطان في موقع القائد ذي الرؤية المرجعية، لا المتسلط الذي يهيمن على مؤسسات الدولة.
هذا التوازن في السلطة، وإن بدا للوهلة الأولى شكليًا، فهو جوهري ومؤسس على قواعد راسخة. يترجم يوميًا في الأداء المؤسسي الذي يحكمه القانون، ويضمن لكل مؤسسة العمل ضمن اختصاصها دون تداخل أو تجاوز. فلا سلطة في عُمان تتجاوز القانون، ولا مؤسسة تعمل خارج إطار النظام، مما يجعل النظام السياسي العُماني نموذجًا فريدًا يُحتذى به في المنطقة.
على خلاف العديد من الأنظمة، اختارت عُمان طريق السيادة الوطنية الحقيقية، المبنية على الاستقرار السياسي، وجعل المواطن محور العملية التنموية، بعيدًا عن صراعات الأيديولوجيات الحادة والمناكفات السياسية التي تعرقل البناء. كان التركيز منصبًا على تطوير الإنسان، وتقوية مؤسسات الدولة، وترسيخ مبادئ الحكم الرشيد، ضمن رؤية واضحة المعالم: رؤية عُمان 2040.
هذه الرؤية لم تكن انقلابًا أو تغييرًا جذريًا، بل هندسة دقيقة للإصلاح، رفع من خلالها سقف الطموح، مؤكدة أن التقدم لا يُبنى على الهدم أو الصخب، بل على الحكمة، والصبر، والاستمرارية المؤسسية التي تحمي الدولة وتعزز مكانتها في مواجهة تحديات العصر.
الحقيقة أن الدولة لا تُقاس بشعاراتها أو بمدى ضجيج خطابها، بل بقدرتها على الصمود والاستمرار في أصعب الظروف. وقد قدمت عُمان درسًا سياسيًا رفيعًا؛ إذ تحضر الدولة بحزم حين يغيب صوت الفوضى، ويُصان النظام بهدوء حين تتساقط أوهام التفكك.
ما تحقق في عُمان من توازن سياسي حكيم هو نتاج فكر رشيد، واستراتيجية متأنية، وعمق حضاري مستمد من ذاكرة شعب عاش التجارب وفهم قيمة الاستقرار.
إن النظام السياسي العُماني ليس صفحة عابرة في تاريخ الدولة، بل هو خلاصة وعي متجدد وتجسيد لإرادة لا تخطئ بوصلتها أن تبقى الدولة فوق الجميع، وأن يُكرّم الوطن ويُوضع في المقام الأول؛فلنحرص جميعًا على صون هذا الإرث العظيم، ولنكن سندًا للوطن في مسيرته المباركة.



























