حصريٌّ لـ«الصحوة» – بين الحقول النفطية، وآبار الغاز، والمناجم المعدنية التي تخطو بخطى واثقة نحو استدامة الاقتصاد، تتكامل السياسات العُمانية في ترسيخ «التمكين الوطني» عبر ملف التعمين، الذي لم يعد مجرد مؤشر إحصائي، بل أحد أعمدة رؤية “عُمان 2040″؛ ومع صدور التقرير السنوي لوزارة الطاقة والمعادن لعام 2024، يتأكد أن التعمين في هذا القطاع الحيوي يشق طريقه بتفاوتٍ واضح بين قطاع وآخر، ولكن برؤية موحّدة للمرحلة المقبلة.
النفط والغاز.. الريادة في التعمين
في قطاعٍ طالما ارتبط بالخبرات الأجنبية، تثبت سلطنة عُمان مجددًا قدرتها على صناعة الكفاءات الوطنية؛ فقد بلغت نسبة التعمين في قطاع النفط والغاز 91%، وهي من أعلى النسب المسجلة على مستوى القطاعات الإنتاجية في سلطنة عُمان؛
وبحسب التقرير، فإن إجمالي القوى العاملة في القطاع بلغ 19,695 موظفًا، منهم 17,936 عمانيًا، مقابل 1,759 وافدًا فقط.
ويفصّل التقرير ذلك بين قطاعي النفط والغاز كالتالي:
– في النفط: 16,864 عمانيًا مقابل 1,700 وافد.
– في الغاز: 1,072 عمانيًا مقابل 59 وافدًا فقط، بنسبة تعمين تُلامس 95%.
–
وتبرز هنا أيضًا شركة تنمية نفط عُمان التي تجاوزت نسبة التعمين فيها 90%، مع تسجيلها لأكثر من 1400 وظيفة جديدة للعمانيين في عام واحد فقط.
المعادن.. فرصة واعدة لمضاعفة الجهود
ورغم هذه الأرقام المشجعة في قطاعي النفط والغاز، إلا أن قطاع المعادن لا يزال يشكّل التحدي الأكبر، حيث تشير الإحصائيات إلى أن نسبة التعمين في هذا القطاع لم تتجاوز 23%.
ويعمل في القطاع نحو 3,942 موظفًا، من بينهم فقط 890 عمانيًا.
ويُعزى انخفاض النسبة – وفق قراءات المراقبين – إلى حداثة بعض المشاريع وتعدد المقاولين، إلى جانب الطابع الفني الميداني العالي لبعض الوظائف.
ومع تصاعد الاستثمارات في القطاع المعدني، وبدء تشغيل مشاريع ضخمة مثل مشروع الغيزين للنحاس في المضيبي، تبدو الفرصة سانحة لإعادة هيكلة القوى العاملة وتوجيه مزيد من العمانيين نحو هذا القطاع الواعد.
ما بعد الأرقام.. البرامج والاستراتيجيات
في سياق تعزيز التعمين كسياسة تنموية، يبرز دور برنامج “مجد” الذي أطلقته الوزارة كمظلّة موحدة لتعزيز المحتوى المحلي، وتمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتحويل التحديات التشغيلية إلى فرص تدريب وتوظيف.
وقد بلغ الإنفاق على هذه المؤسسات في قطاع الطاقة فقط نحو 1.8 مليار دولار أمريكي، ما يمثل 17.2% من إجمالي الإنفاق السنوي، وهو ما يُترجم مباشرة إلى فرص اقتصادية واجتماعية مستدامة للمواطنين.
نحو تعمين أكثر عمقًا وتخصصًا
إن لغة الأرقام لا تقف عند حدود التوظيف فحسب، بل تفتح أبوابًا للحديث عن جودة الوظائف، والتدرّج الوظيفي، والتخصصات المستقبلية.
وتعكس نسبة التعمين العالية في شركات مثل الغاز الطبيعي المسال (73% في العقود، و55% في الوظائف الإدارية) نموذجًا يمكن البناء عليه في القطاعات الأخرى، وخاصة في إدارة المشاريع والتحول الرقمي والطاقة المتجددة.
ويضع التقرير بين أيدينا قراءة صادقة لما تم إنجازه، ويضيء في الوقت نفسه المناطق التي ما زال بحاجة إلى تركيز أكبر، مثل قطاع المعادن.
لكن الاتجاه العام يبقى إيجابيًا، ويؤكد أن الاستثمار الحقيقي ليس فقط في الآبار والمناجم، بل في الإنسان العُماني نفسه، الذي بات اليوم محور السياسات الاقتصادية والتنموية، وشريكًا أصيلًا في معادلة الطاقة والمعادن.



























