الصحوة : علي الحداد
في الوقت الذي ترتفع فيه أصوات العقلاء من العلماء والمفكرين، داعية إلى رأب الصدع المذهبي وتوحيد صفوف الأمة، يخرج علينا سالم الطويل بخطابات متكررة، يُلبسها لباس “السلفية”، ويُضفي عليها صبغة دينية تُخفي وراءها مشروعًا تكفيريًا ضيقًا، يُسهم بقصد أو دون قصد في تأجيج نار الطائفية.
أبرز مثال على هذا الخطاب الإقصائي نجده في إساءاته المتكررة إلى الإباضية، طعنًا في عقيدتهم، وتشويهًا لرموزهم، وتحريضًا غير مباشر ضدهم، دون سند علمي رصين أو منهج منضبط.
من السلفية إلى الشخصنة
الخطير في خطاب الطويل ليس فقط في مضمون الاتهامات، بل في تأسيسه لمعيار ذاتي يقيس عليه إسلام الناس وكفرهم. ينسى، أو يتناسى، أن الأمة الإسلامية احتضنت مذاهب ومدارس متعددة منذ قرون، ظلّت كلها في دائرة الإسلام، ما دامت الشهادتان دينها، والقبلة وجهتها، والقرآن مرجعها.
والمفارقة أن سالم الطويل، رغم انتمائه الاسمي للمذهب الحنبلي، قد خالف في نهجه أئمة هذا المذهب الجليل الذين عُرفوا بالورع والانضباط العلمي. الإمام أحمد بن حنبل، مؤسس المذهب، كان يتحرج من إطلاق الأحكام العقدية، ويقول:
“من صلى إلى قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا.”
وكان يتحرّى الشروط ويُراعي الموانع قبل الحكم بالكفر. أما الطويل، فيتسرع في إخراج الإباضية من الإسلام، واصفًا إياهم بـ”الخوارج”، دون تحقق أو تثبت، مخالفًا بذلك منهج الحنابلة وأصول أهل العلم.
تحريف النصوص وخذلان القضايا
ما يثير القلق كذلك هو تأويل الطويل لبعض النصوص القرآنية بطريقة تُخالف أصول التفسير السلفي، لا سيما موقفه من أهل غزة، حيث فسر آية بطريقة تُلمّح إلى الدعوة لترك الأرض، في وقت تتفق فيه الأمة على عدالة القضية الفلسطينية ووجوب المرابطة فيها.
هذا الاستخدام السياسي للنصوص، وتجاهل فقه المآلات، يُخالف قواعد التفسير الحنبلي، التي تشترط الرجوع إلى فهم السلف، وتحذر من التوظيف الأيديولوجي للآيات، خصوصًا في ما يتعلق بدماء المسلمين وأوطانهم.
الإباضية .. مذهب إسلامي لا يجوز التهجم عليه
الإباضية مذهب إسلامي أصيل، نشأ في القرن الأول الهجري، وسُمي نسبة إلى الإمام عبد الله بن إباض، رغم أن مؤسّسه الفكري الحقيقي هو الإمام جابر بن زيد، من كبار التابعين وتلاميذ السيدة عائشة وابن عباس رضي الله عنهم.
ينتشر المذهب الإباضي في سلطنة عُمان ومناطق من شمال إفريقيا وزنجبار، وله تراث فقهي عميق ومستقل، من أبرز كتبه: الشرح الكبير، الجامع الصحيح، بيان الشرع. وفي العقيدة، يتبنى الإباضية مذهبًا تنزيهيًا دقيقًا، قريبًا في مضامينه من الأشاعرة والماتريدية، ويرفض التشبيه والتجسيم.
أما في موقفهم من المخالف، فهم لا يُكفّرون سائر المسلمين، ويُقرّون بأن الخلاف العقدي لا يخرج من الملة. وقد أكّد مفتي سلطنة عمان، الشيخ أحمد الخليلي، مرارًا أن:
“من نطق بالشهادتين فهو مسلم.”
خطاب الطويل: تحريض بلا بيّنة
على النقيض، يصرّ سالم الطويل على وصف الإباضية بأنهم “خوارج”، ويُحمّلهم آراء لا توجد في كتبهم، كدعوى أنهم “يكفّرون أهل المعصية”، أو أنهم “يُظهرون خلاف ما يُبطنون”. ورغم خطورة هذه الاتهامات، لم يأت الطويل بمصدر موثوق واحد، بل استند إلى روايات مبهمة وفهم شخصي لا يرقى إلى مستوى التحقيق العلمي.
يقول ابن تيمية:
“العدل واجب لكل أحد، على كل أحد، في كل حال.”
فأين العدل في الحكم على فرقة إسلامية عريقة بأنها ضالة، دون تحقيق أو إنصاف؟ السلف لم يكونوا يستبيحون أعراض خصومهم، بل كانوا يتحرّون الدقة ويتجنبون التعميم. أما الطويل، فيرفع شعار السلفية وهو أول من يخالف جوهرها في العدل والرحمة.
تعايش مذهبي ناجح .. مهدد بخطاب الكراهية
سلطنة عُمان تمثل نموذجًا راقيًا في التعايش المذهبي، حيث يعيش الإباضية والسنّة والشيعة في وئام، دون قطيعة أو استعداء. هذا النموذج، الذي يُشاد به عالميًا، يُهدده خطاب مثل خطاب الطويل، الذي يحوّل الخلاف الفقهي إلى قضية أمنية وسياسية، ويزرع الكراهية بدل المحبة.
وهنا تظهر المسؤولية الوطنية:
هل ستسمح دولة مثل الكويت، التي عُرفت بمواقفها المناهضة للطائفية، بأن يُستخدم منبر ديني في إذكاء الكراهية والتحريض باسم العقيدة؟
خذلان غزة: الموقف الذي لا يُغتفر
من أكثر المواقف صدمة في خطاب الطويل، دعوته الصريحة أو المبطنة لأهل غزة بأن يتركوا أرضهم، مستشهدًا بتأويل مشوّه لآية قرآنية. في وقتٍ تتفق فيه الأمة على عدالة قضيتهم، يُفترض أن يكون العلماء في طليعة من يُناصرونهم، لا من يُبرّر لهم الخذلان.
أين هذا الخطاب من مواقف السلف الذين قدّموا أرواحهم دفاعًا عن ديار المسلمين؟ هل يعقل أن يكون الرد على الاحتلال هو الرحيل، لا الصمود؟ وهل من الشريعة أن يُخذل المستضعفون باسم “التفسير”؟
الخاتمة: مواجهة الغلو بالحكمة
لقد آن الأوان لمواجهة مثل هذه الخطابات، لا بالتكفير المضاد أو الشتائم، بل بالعلم والحكمة، كما قال الله تعالى:
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾.
إننا نناشد أهل السنة بمذاهبهم الأربعة أن يكونوا صوت العقل، لا صوت الغلو. استهداف الإباضية اليوم قد يفتح الباب لاستهداف الجميع غدًا. فالوحدة لا تتحقق بالتخوين، بل بالاعتراف، ولا بالنفي، بل بالحوار.
قال الإمام أحمد:
“من صلى إلى قبلتنا وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم له ما لنا وعليه ما علينا.”
وقال ابن تيمية:
“نحن لا نكفّر من خالفنا ما دام يعتقد الإسلام.”
فهل بقي في خطاب سالم الطويل ما ينسجم مع هذا المنهج؟
أم أن الرجل انزلق تحت لافتة “السلف” إلى طريق التشدد والغلو، بعيدًا عن روح الإسلام وسعة صدر علمائه ؟



























