الصحوة – سعاد الوهيبية
لا يموت الفنان كما يموت الآخرون، فموته لا يُقاس بنبض القلب أو توقف الأنفاس، بل بانطفاء الروح التي كانت تُشعل العالم من حوله، يموت الفنان حين تُغلق الستائر على خشبة المسرح، لا لأن العرض انتهى، بل لأن الجمهور غادر قبل أن يكتمل المشهد.
في حياة الفنان، الموت لا يأتي فجأة، إنه يتسلل بصمت، يبدأ حين يُطلب منه أن يكون كل شيء للجميع، دون أن يُسمح له أن يكون شيئًا لنفسه، يُضحك وهو يختنق، يُغني وهو ينهار، يُبدع وهو فارغ، يُستهلك حتى آخر قطرة من وجدانه، ثم يُترك وحيدًا في زاوية الضوء الباهت.
موت الفنان لا يرتبط دائمًا بالجسد، بل بالخذلان، حين لا يجد من يسأله: “هل أنت بخير؟”، حين يُختزل في دور أو صورة أو توقيع، حين يُنسى خلف كواليس الشهرة، ويُطالب بأن يظل واقفًا، مبتسمًا، ملهمًا، حتى وهو ينهار داخليًا.
لكن هذا الموت، رغم قسوته، لا يُلغي الأثر؛ فالفنان، وإن غاب، يبقى حاضرًا في الأغنية التي تُشغّل في منتصف الليل، في لوحة تُحدّق فيها طفلة وتحلم، في مشهد يُعيده رجل وحيد لأنه يُشبهه، يبقى في الذاكرة، في الوجدان، في تفاصيل الحياة التي مرّ بها وترك فيها بصمته.
ولعل كلمات الفنان الهولندي الراحل فان كوخ تلخص هذا الشعور حين قال: “الفن وُجد لمواساة أولئك الذين كسرتهم الحياة“.
أما بابلو بيكاسو، فقد عبّر عن جوهر الفن بقوله: “الفن يمسح عن الروح غبار الحياة اليومية”.
إن موت الفنان هو لحظة تأمل في علاقتنا بالفن، وبمن يصنعونه، هو دعوة لإعادة النظر في كيفية الاحتفاء بهم، وحمايهم من الانطفاء قبل الأوان؛ لأن الفنان، وإن مات، لا يموت فنه، بل يبقى، حيًا فينا، نعيش به، ونموت قليلًا كلما غاب واحد منهم.





























