الصحوة : علي الحداد
منذ أن بدأ الإنسان يسكن ضفاف الأنهار والسهول الخصبة في المشرق القديم، كانت الأرض السورية ملتقى طرقٍ حضاري فريد. هنا، عبرت القوافل من الشرق إلى الغرب، وهنا تداخلت الشعوب وتمازجت اللغات والديانات والثقافات. لم تكن سوريا يومًا أحادية اللون أو الصوت؛ بل كانت لوحة فسيفساء مدهشة، تتجاور فيها الألوان المختلفة لتشكّل جمالًا متماسكًا إذا ما أُحسن التعامل معه، وخطوط صدع خطيرة إذا ما أُسيء استغلاله.
التنوع في سوريا ليس عرضًا طارئًا على جسد الأمة، بل هو جوهر هويتها. فمن العرب إلى الأكراد، ومن الأرمن إلى السريان والآشوريين، ومن التركمان إلى الشركس والأيزيديين، تمتد خارطة التنوع العرقي. وعلى صعيد الدين، تتوزع الجغرافيا السورية بين مسلميها ومسيحييها، في طيف واسع من الطوائف والمذاهب: السنة، الشيعة، العلويون، الإسماعيليون، الدروز، إلى جانب الموارنة، اليونان الأرثوذكس، اليونان الكاثوليك، والسريان بمختلف كنائسهم. هذه الفسيفساء البشرية لم تمنع عبر التاريخ نشوء حواضر مزدهرة مثل دمشق وحمص وحلب، ولم تحجب وجود قبائل عربية أصيلة ظلت محافظة على إرثها البدوي وعاداتها القبلية.
لكن هذا الثراء الهوياتي، كما يصفه المؤرخ أمين معلوف في مصطلحه “الهويات القاتلة”، يمكن أن ينقلب سيفًا ذا حدين. فالهوية إذا انفصلت عن الإطار الوطني الجامع، وانكمشت داخل حدودها الضيقة، قد تتحول إلى أداة فرز وإقصاء، وإلى رايةٍ للتناحر لا للتعاون. هنا، يصبح التنوع عنصر ضعف بدل أن يكون مصدر قوة، خاصة إذا دخلت أطراف داخلية أو خارجية على خط استغلاله لتحقيق مكاسب سياسية أو جغرافية.
التاريخ السوري شهد لحظات ازدهار بفضل هذا التنوع. ففي ظل الخلافة الراشدة ثم الدولة الأموية والعباسية، عاش المسيحيون واليهود والفرس والعرب جنبًا إلى جنب، وتبادلت المدن الأسواق والعلوم والفنون. كان التنوع جزءًا من الحضور الحضاري، ولم يكن يُنظر إليه كتهديد وجودي. لكن التاريخ نفسه يروي لنا أيضًا فتراتٍ مظلمة استُخدمت فيها الفوارق المذهبية والعرقية أداةً لإشعال الفتن الداخلية، وأحيانًا كذريعة للاستعانة بقوى خارجية ضد المكونات الأخرى، في تكرارٍ مأساوي لدورة الانقسام.
الراهن السوري اليوم يقدّم أمثلة حية على هذه الثنائية. فقد تعرّض العلويون والدروز في فترات قريبة لاعتداءات عنيفة، وتم توظيف بعض العشائر في صراعات داخلية، ما يؤكد أن غياب إطار قانوني-دستوري يضمن المساواة والتمثيل الحقيقي يفتح الباب أمام التحشيد الطائفي والعرقي. وفي المقابل، نرى محاولات لتكريس الاعتراف بالتعددية، مثل المؤتمر الذي عُقد في مدينة الحسكة تحت شعار: “معًا من أجل تنوع يعزز وحدتنا وشراكة تبني مستقبلنا”، والذي جمع أكثر من 500 شخصية عربية وكردية وسريانية، في إشارة إلى إمكانية بناء شراكة وطنية على قاعدة الاحترام المتبادل.
الدرس الأهم الذي يقدمه التاريخ والجغرافيا معًا هو أن التنوع في سوريا ليس ملفًا يمكن تجاوزه أو تحييده، بل هو حقيقة راسخة لا تزول بزوال نظام سياسي أو تبدل موازين القوة. إن التعامل معه يحتاج إلى دستور يعترف به، وقوانين تحميه، ومؤسسات تمثله، لا إلى شعارات مؤقتة أو حلول ترقيعية. فالمعادلة واضحة: إدارة التنوع بالحكمة تبني دولة قوية وموحدة، أما تجاهله أو استغلاله فيؤدي إلى انقسام وضعف، وربما إلى انهيار الكيان نفسه.
إن السؤال الذي ينبغي أن يواجهه صانع القرار السوري اليوم ليس: “هل نملك القدرة على احتواء التنوع؟” بل: “هل نملك رفاهية تجاهل هذه الحقيقة الراسخة؟” لأن التجربة تثبت أن أي مشروع وطني مستقبلي في سوريا، إذا لم يضع التنوع في قلب بنيته، سيبقى مشروعًا هشًّا، مهما كانت شعاراته رنانة .

























