الصحوة – د. حمد بن ناصر السناوي
استشاري أول الطب السلوكي
أكثر من مجرد فضفضة يأتي الأفراد إلى الاستشارة النفسية لأسباب مختلفة، فالبعض يرغب في حل مشكلة نتجت عن خلاف مع شخص أو مجموعة من الأشخاص، والبعض الآخر يرغب في تجاوز أزمة نفسية حدثت مع تراكم ضغوطات الحياة، بينما هناك من يأتي فقط للفضفضة وتفريغ الطاقة السلبية وشحنات الغضب الإحباط بسبب شعوره بالظلم أو سوء الحظ، كما يتفاوت تعريف الفرد لكلمة استشارة، فهناك من يرى أن دور الطبيب النفسي تقديم الحل المباشر للمشاكل التي يطرحها، لذلك نجد هذا النوع يميل إلى اختيار الطبيب النفسي الذي يكبره في العمر، تحت شعار أكبر منك بيوم أعلم منك بسنه، فحسب تقديره تلعب الخبرات الحياتية للطبيب في جودة الاستشارة، بينما نجد الشخص الذي يعاني من الشذوذ الجنسي مثلا يتجنب الطبيب الكبير في السن خوفا من أن يقوم بتأنيبه أو اتخاذ موقف سلبي تجاهه، فهو حسب لغة التحليل النفسي يسقط سلطة الأب على الطبيب النفسي وقد ينعكس ذلك في طريقة تعامل المريض مع الطبيب فنجده يأتي متأخرا للجلسة، أو يلزم الصمت معظم الوقت، أو يتعامل مع الطبيب بنفس أسلوب العناد الذي يتعامل به بعض المراهقين تجاه والديه، هنا تأتي خبرة الطبيب النفسي في فهم هذه الرسائل إلا شعورية والتي يرسلها المريض وتؤثر سلبا على نجاح الخطة العلاجية. أذكر أحد المراجعين الذي واظب على الجلسات الاستشارية أسبوعيا لعدة أشهر، أخبرني -بصراحة- أنه فقط يريد أن يفضفض خاصة بعدما تفرق الأصدقاء من حوله وأخبروه أنهم ملوا من الاستماع لمشاكله التي لا تنتهي، ورغم أن البعض منهم حاول أن يقدم له النصح والإرشاد لكن صاحبنا كان غارقا في لعب دور الضحية، حتى أثناء الجلسات الاستشارية معي، لم يكن راغبا في مناقشة مشاعره وعلاقة سلوكياته بالأفكار والقناعات التي شكلها عن الآخرين، والسؤال الأخلاقي الذي تبادر إلى ذهني حينها، هل أوافق على طلبه وأكتفي بالاستماع إلى ففضضته؟ أم أصر على ما أراه مناسب له -من وجهة نظري- المهنية؟
يعتمد العلاج النفسي بمختلف أنواعه على توفير مساحة آمنه خلال الجلسة النفسية تعتمد بشكل أساسي على العلاقة المهنية بين المعالج والمريض وتعتمد على التعاطف وعدم إصدار الأحكام حتى وإن اختلفت مبادئ وقناعات الطرفين مساعد الأفراد د ليتمكن المعالجُ على مساعدة الشخص على تحديد مصدر المشاكل والبحث عن بدائل للتعامل معها حيث يؤدي الوعيُ العاطفي والبصيرة اللذان يكسبهما الشخصُ من خلال العلاج النفسي إلى تغيير في الموقف والسُّلُوك.
رغم أن تقبل فكرة طلب الاستشارة النفسية أصبح أكثر شيوعا من السابق الا أن البعض لا يعي دو الطبيب أو المعالج النفسي، وربما يتوقع الصورة النمطية التي نراها في الأفلام والتي لا تمت إلى الواقع بصلة، حتى أن أحد المراجعين أستغرب أن العيادة ليس بها الاريكة التقليدية التي يستلقي على المريض ويحكي عن طفولته، ورغم أن ذلك النوع من العلاج وهو التحليل النفسي التقليدي، لم يعد سوى جزء صغير من المدارس العلاجية المعاصرة. فهناك العلاج السلوكي، الذي يركز على التخلص من العادات غير الصحية، والعلاج المعرفي الذي يساعد على تعديل الأفكار السلبية، إضافة إلى العلاج الأسري، والعلاج الزواجي، وحتى العلاج الجماعي.
ختاما فإن الاستشارة النفسية ليست مجرد جلسة فضفضة، بل هي رحلة يتقاسمها المريض والمعالج معاً، حيث يتحول البوح إلى أداة للكشف عن الجذور العميقة للمشكلات، ويفتح الباب لتغيير حقيقي في الأفكار والسلوكيات. ربما تبدأ القصة بكلمات يائسة أو دموع مثقلة، لكنها يمكن أن تنتهي باكتشاف القوة الداخلية، واستعادة القدرة على المضي قدماً في الحياة.

























