الصحوة – مروان بن أحمد الشيذاني
في حياة الإنسان محطاتٌ من السكون يستردّ فيها أنفاسه، ومحطاتٌ من الحركة يغمره فيها الصخب والكدّ. فإذا تأملنا طبيعة النفس البشرية لوجدنا أنها كثيرًا ما تُبدع وتستنير حين تكون في ذروة الانشغال، بينما يعتريها الضيق والفتور حين يستبد بها الفراغ. ولقد جعل الله تعالى للوقت قيمةً عظمى في كتابه الكريم، فأقسم به في مواضع عدة دلالةً على جلال شأنه، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 1-2]، ليؤكد أن العمر رأس مال الإنسان، وأن التفريط فيه خسران مبين. وقال جل شأنه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: 7-8]، حيث يُرشدنا إلى أن الفراغ لا ينبغي أن يُترك عاطلاً، بل يُستثمر مباشرةً في عمل نافع أو عبادةٍ سامية. وفي موضع آخر، دعا الحقّ سبحانه عباده إلى اغتنام الصحة والقدرة قبل الفوات بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: 62]، أي جعل تعاقبهما فرصةً متجددة للاغتنام والبذل.
ويأتي الحديث النبوي الشريف ليكشف بوضوح خطورة التفريط في هذه النعمة حين قال -صلى الله عليه وسلم-: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» [رواه البخاري]. فالفراغ إذا لم يُستثمر في إنتاجٍ أو عبادةٍ أو علمٍ صار وبالًا على صاحبه، بينما الانشغال المنظّم يُولّد الإبداع، ويُحفّز العقل، ويُفجّر الطاقات الكامنة. وهذه حقيقة أثبتتها دراسات علمية وتجارب نفسية واجتماعية حديثة، أكدت أن العقل البشري يزداد خصوبة حين يُحفَّز بالمهام والضغوط الإيجابية، بينما يذبل ويخفت نشاطه في أوقات البطالة الفكرية الطويلة.
فلماذا يبدع الإنسان في قمة انشغاله بينما يعجز عن إنتاج الأفكار في أوقات الفراغ الساكن؟
في الواقع، تشير مجموعة من الدراسات العالمية إلى أن الإبداع كثيرًا ما يزدهر في أوقات الانشغال الموجَّه أكثر مما يزدهر في لحظات السكون المطلق. فقد أوضح الباحثان بيجليوني وبورتر (Paggiolioni & Porter, 2012) حالة الانشغال المعتدل وما يرافقها من ضغوط معرفية تحفّز الدماغ على البحث عن حلول مبتكرة وتوليد روابط غير متوقعة بين الأفكار. وأكدت دراسة أخرى لــ هارولد وولف (Harold Wolf, 2017) أن الأفراد يحققون أعلى درجات الإبداع عندما يواجهون مهاماً متراكمة تضطرهم إلى التفكير بسرعة ومرونة، حيث يعمل “ضغط الوقت” كعامل محفِّز بدلاً من كونه عائقاً. وعلى الصعيد العربي، دعمت دراسة عز الدين عبد الشاعر (2016) بعنوان ” دور إدارة الوقت في تحقيق الإبداع” هذا الطرح، حيث أثبتت أن التخطيط الجيد للوقت والانشغال الموجَّه بالمهام يولّد لدى الأساتذة الجامعيين قدرة أكبر على الإتيان بأفكار إبداعية وحلول للمشكلات مقارنة بالحالات التي يقل فيها ضغط المهام.
كما أثبتت أبحاث في علم النفس أن العقول البشرية تنتج أفكارًا أكثر إبداعًا تحت ضغط المسؤوليات مقارنة بحالات الاسترخاء الطويل. ففي دراسة منشورة في مجلة “”Psychological Science سنة 2014، تبين أن الأفراد الذين يعملون في بيئات مشحونة بالمهام أظهروا مرونة فكرية أكبر، وقدرة على ابتكار حلول جديدة لمشكلات متكررة. هذا يتوافق مع الفكرة التي نلمسها في حياتنا اليومية: الطالب لا يبتكر طرقًا سريعة للفهم إلا عندما تداهمه مواعيد الاختبارات، والباحث لا يجد أعظم أفكاره إلا حين يضيق به الوقت قبل تسليم أبحاثه. هذا التلاقي بين الأدلة العلمية يوضح أن الانشغال ليس مجرد استنزاف للطاقة، بل قد يكون بيئة خصبة للإبداع، إذ يُرغم العقل على تجاوز الحلول النمطية واستحضار بدائل مبتكرة.
أما الفراغ الطويل فإنه يولّد حالة من الركود الذهني، ويفتقر إلى المحفزات اللازمة لإشعال شرارة الفكرة، ويُدخل النفس في دائرة من القلق والملل. وقد ربطت دراسات طبية بين قلة الانشغال والزيادة في معدلات الاكتئاب، إذ نشرت “American Journal of Epidemiology” تقريرًا عام 2018 يوضح أن الأشخاص الذين يعيشون بلا أهداف يومية أو انشغالات منتظمة ترتفع لديهم معدلات القلق بنسبة 40% مقارنة بغيرهم ممن يعيشون حياة مليئة بالأنشطة والالتزامات. وهذا يفسّر لماذا كان السلف الصالح يستعيذون بالله من العجز والكسل، إذ علموا أن تعطيل الجهد يُفسد الروح والعقل معًا.
نماذج من المبدعين في الانشغال المنظّم
على مستوى التجربة الإنسانية، يتجلى أن المبدعين والعلماء وكبار القادة كانوا من أكثر الناس انشغالًا، إلا أن هذا الانشغال لم يكن عشوائيًا أو مضيّعًا للجهد، بل كان منظّمًا وموجّهًا نحو أهداف كبرى وغايات سامية. فالعالم ابن الهيثم، -على سبيل المثال-، ملأ حياته بالبحث والتأليف والتجارب، ولم يترك فسحة للفراغ، فجاءت مؤلفاته شاهدة على أن الانشغال البناء يولّد الإبداع ويصنع إرثًا علميًا خالدًا. وكذلك كان المخترع توماس إديسون، الذي سجّل أكثر من ألف اختراع، فقد أكد أن سر نجاحه لم يقتصر على العبقرية وحدها، بل على الانشغال المستمر بالعمل والتجريب والصبر حتى بلوغ النتائج المرجوة.
ومن بين الأمثلة الحديثة، نجد العالم والمرجع الإسلامي الشيخ أحمد الخليلي –حفظه الله-، الذي كرّس حياته للعلم والإرشاد والتوجيه الديني، وملأ أيامه بانشغالات متنوعة في الفتوى، والتأليف ومتابعة قضايا الأمة، مما جعله مصدر إلهام للكثيرين في إدارة الوقت واستثمار الانشغال بما ينفع به الناس.
كما أن رائد الأعمال الأمريكي إيلون ماسك أحد الأمثلة في إدارة الوقت رغم أنه يقود شركات تسلا وسبيس إكس. ولديه أصعب روتين بساعات عمل مكثفة ومنظّمة تصل أحيانًا إلى 100 ساعة أسبوعيًا، يرى أن الانشغال الموجّه والمكثف هو ما يخلق الاختراعات والتقدم التكنولوجي.
الانشغال بين التوازن والبركة
قد يتساءل البعض: أليس الضغط المستمر يستهلك العقل ويُنهك النفس؟ والجواب أن المقصود بالانشغال هنا ليس ذاك الانغماس المرهق الذي يبدد الطاقات ويُنهك الجسد، وإنما هو انشغالٌ رشيد يملأ الوقت بما ينفع ويُثري دون إفراطٍ يدمّر الصحة ولا تفريطٍ يُهدر العمر. ومن هنا يبرز التوازن الإسلامي الذي أرشدنا إليه النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- في قوله: «إن لربك عليك حقًا، وإن لنفسك عليك حقًا، وإن لأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه» [رواه البخاري]، إذ يضع ميزانًا بديعًا بين متطلبات الروح والجسد والعلاقات. ثم يأتي التوجيه القرآني ليؤكد هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: 7-8]، وكأنما يربينا الوحي على أن الحركة الدائمة، والانتقال من مهمة إلى أخرى، هو سر البركة في العمر والعطاء. فالانشغال المتجدد يفتح أبواب الإبداع ويستدرّ الرحمة والتوفيق، بينما الفراغ يورث غبنًا وخسرانًا كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه عن نعمة الوقت والصحة. وهكذا، يصبح الانشغال في ميزان الإسلام ليس ضغطًا خانقًا، بل استثمارًا منظمًا للطاقات، تُستثمر فيه لحظات العمر لبناء الذات وخدمة الغير على السواء.
يتضح من الدراسات الحديثة أن الإبداع لا ينبت في فراغٍ ساكن، بل في لحظات انشغال تُحفّز العقل على البحث عن مخارج جديدة. فقد بينت دراسة جامعة كاليفورنيا (Baird et al., 2012) أن الانشغال بأعمال جانبية بسيطة يفتح المجال أمام الشرود الذهني المنتج، الذي يُعد أحد أهم منابع الأفكار الخلّاقة. وعلى العكس، تشير أبحاث أخرى (Eastwood et al., 2012) إلى أن الفراغ الممتد يقود إلى الملل والقلق ويثقل الذهن بالركود، مما يعيق أي تدفق إبداعي. ومن هنا فإن السؤال: هل الإبداع ثمرة ضغطٍ وانشغال أم أنه لا يولد إلا في السكون؟ يحمل في جوهره الإجابة؛ فالانشغال المنظّم هو بوابة التطوير والإبداع معًا، إذ يدفع العقل إلى توليد حلول مبتكرة تحت الضغط، ويمنحه الاستمرارية حين يُدار بوعي واتزان. ولعل أعظم ما يرسخ هذه الحقيقة أن الإسلام ربط قيمة الوقت بالعمل للآخرة، فجعل استثماره ميدانًا للبناء لا للهدر، فقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133]. فالمؤمن لا يرى في انشغاله مجرد إنجاز دنيوي، بل يعدّه زادًا أخرويًا، وطريقًا لترسيخ أثره في دنياه وأمته. ومن وعى قيمة الصحة والفراغ فعمّرهما بما ينفع، فقد جمع بين فوز الدنيا ورفعة الآخرة.
وبعد هذا البيان يتجلّى بوضوح أن الانشغال ليس مجرد حاجة نفسية أو التزام اجتماعي عابر، بل هو ضرورة شرعية وعلمية وإنسانية في آن واحد. فهو الذي يبدّد برودة الفراغ ويذيب رهبة الجمود، ويطلق شرارة الإبداع، ويصوغ للإنسان مسارًا من العطاء لا ينطفئ، يمزج بين الإنجاز الشخصي وخدمة المجتمع. ومن غفل عن قيمة الانشغال وترك نفسه للركود، وقع في الغُبْن الذي حذّر منه النبي -صلى الله عليه وسلم-، وخسر أغلى ما يملك: عمره وصحته وما يمكن أن يصنعه من أثر في حياته وعالمه. إن الانشغال بما ينفع هو الجواب الواضح، والبوابة الحقيقية للتطوير والإبداع معًا، بينما الفراغ ليس إلا غشاوة ثقيلة تغشى العقل وتطفئ نوره، فتتحول القدرة إلى ضياع، والطاقة إلى خمول. ومن أدرك سر الانشغال المنظّم واستثمره بحكمة، أصبح قادرًا على تحويل كل لحظة من عمره إلى فرصة للنور والتميز والخلق، وجعل من حياته مسرحًا للإبداع والإنجاز المستدام.



























