الصحوة – علي الحداد
في غارة وُصفت بالأخطر منذ بدء الحرب في غزة، استهدفت إسرائيل قلب العاصمة اليمنية صنعاء وأسقطت رئيس حكومة صنعاء أحمد غالب الرهوي، فاتحةً بابًا على مواجهة أوسع قد تمتد من سماء اليمن إلى ممرات البحر الأحمر.
في مساء الثامن والعشرين من أغسطس 2025، لم تكن العاصمة اليمنية على موعد مع غارة عادية. فالهجوم الإسرائيلي الذي استهدف اجتماعًا حكوميًا قلب موازين الحرب، وأسقط رئيس وزراء حكومة صنعاء وعددًا من وزرائه، في خطوة غير مسبوقة استهدفت البنية السياسية للسلطة القائمة في العاصمة. بعد يومين، أعلنت حكومة صنعاء رسميًا مقتله مؤكدة تكليف محمد أحمد مفتاح بتسيير أعمال الحكومة مؤقتًا.
الرهوي، القادم من حزب المؤتمر الشعبي العام، لم يكن عسكريًا بل إداريًا بيروقراطيًا حاول أن يضفي على صنعاء شيئًا من الاستقرار عبر سياسة “نصف الراتب” التي ضمنت للموظفين جزءًا من معاشاتهم في ظل اقتصاد منهك. اغتياله لم يكن فقط خسارة لشخصية مدنية، بل إشارة واضحة إلى أن إسرائيل انتقلت من ضرب الأذرع العسكرية إلى استهداف رأس الإدارة المدنية، ما يجعل جماعة الحوثيين أكثر التصاقًا بالمسار العسكري البحت.
تفاصيل العملية حملت أكثر من رواية. حكومة صنعاء وصفتها بأنها ورشة حكومية لتقييم الأداء، فيما تحدثت إسرائيل عن تجمع لقيادات عليا تزامن مع متابعة خطاب مسجّل لعبد الملك الحوثي. المواقع المستهدفة شملت منطقة عطان جنوب غرب صنعاء، ومنزلًا في بيت بوس، ومحطة كهرباء حزيز، لتتحول العاصمة إلى مسرح دمار وانقطاع للكهرباء وسقوط مدنيين بين قتيل وجريح.
بالنسبة لإسرائيل، كانت العملية امتدادًا لاستراتيجية ردع جديدة. فمنذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023 تكثفت الهجمات الحوثية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على أهداف إسرائيلية وسفن في البحر الأحمر. قبل الغارة بيومين فقط، أطلق الحوثيون صاروخًا برأس انشطاري لأول مرة، الأمر الذي اعتبرته تل أبيب تهديدًا استراتيجيًا. وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس لخص الأمر بعبارة قاطعة: “من يمد يده على إسرائيل تُقطع يده”. الضربة جاءت لتؤكد أن المعركة لم تعد تقتصر على مخازن الأسلحة أو منصات الإطلاق، بل وصلت إلى قاعة الاجتماعات الحكومية نفسها.
تباينت المواقف بين الغضب والوعيد. حكومة صنعاء وصفت الضربة بجريمة حرب وتعهدت بالانتقام، وظهر محمد الغماري رئيس هيئة الأركان، الذي قيل إنه كان هدفًا محتملًا، ليؤكد أن “الدم لن يذهب هدرًا”. إيران أدانت العملية واعتبرتها انتقامًا خبيثًا من موقف اليمن الداعم لغزة، فيما شددت إسرائيل على أن العملية قامت على معلومات استخباراتية دقيقة.
انعكاسات الضربة لا تقف عند صنعاء وحدها. فالملاحة في البحر الأحمر باتت مرشحة لتكون الساحة التالية للمواجهة. الحوثيون يمتلكون خبرة سابقة في إرباك خطوط التجارة العالمية، من خلال استهداف سفن مرتبطة بإسرائيل أو شركات غربية، وتهديد الممرات المؤدية إلى قناة السويس. بعد اغتيال الرهوي، يتوقع أن تتضاعف هذه الهجمات بوصفها وسيلة ضغط لا تقتصر على إسرائيل وحدها، بل تمتد لتطال الاقتصاد العالمي بأسره. في المقابل، ستسعى إسرائيل لتعزيز حضورها العسكري البحري وربما التنسيق أكثر مع الولايات المتحدة، بينما ستضطر شركات الملاحة لإعادة توجيه مساراتها بتكاليف مضاعفة، لتصبح مياه البحر الأحمر ساحة مواجهة غير مباشرة بين الحوثيين وإسرائيل، وأرض اختبار لصبر المجتمع الدولي.
المشهد المقبل مفتوح على سيناريوهين الأول تصعيد مفتوح، حيث يوسع الحوثيون عملياتهم في البحر الأحمر وترد إسرائيل بسلسلة غارات أكبر على صنعاء وصعدة والحديدة، ما قد يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية. والثاني ردود محسوبة، تلجأ فيه حكومة صنعاء إلى هجمات محدودة ورمزية لتفادي خسائر جديدة في رأس هرمها السياسي، مع الحفاظ على صورة “الردع المستمر”.
اغتيال أحمد غالب الرهوي إذن ليس مجرد حادث أمني ، بل منعطف استراتيجي يغيّر معادلة الحرب. إسرائيل أرادت أن تقول إن الخطوط الحمراء سقطت، وانصار الله توعدت بالرد بلا سقف. في اليمن الغارق في الحرب، وبين أنقاض صنعاء المظلمة، باتت الحرب أكثر غموضًا وقسوة، فيما يظل السؤال معلقًا .. هل كان اغتيال الرهوي بداية النهاية للواجهة المدنية في صنعاء، أم بداية فصل جديد من حرب بلا نهاية؟




























