الصحوة – علي الحداد
حين اندلعت نيران الحرب العالمية الأولى عام 1914، كانت الدولة العثمانية توصف بالرجل المريض الذي يتهاوى أمام ضربات القوى الكبرى. وفي خضم هذا الصراع العالمي، اجتمعت مصالح بريطانيا وفرنسا وروسيا لتقسيم المشرق العربي قبل سقوطه الفعلي. هكذا وُلدت اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916، بوصفها خريطة سرية لإعادة تشكيل المنطقة. لكن هذه الاتفاقية لم تكن سوى البداية لمسار طويل انتهى بولادة دولة إسرائيل عام 1948، مرورًا بوعد بلفور ونظام الانتداب البريطاني.
قاد الدبلوماسي البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج بيكو مفاوضات سرية انتهت برسم حدود النفوذ الاستعماري . حيث سيطرت فرنسا على الساحل السوري واللبناني وولاية أضنة وشمال العراق، بينما أخذت بريطانيا جنوب العراق ، فيما وُضعت فلسطين تحت إدارة دولية خاصة. بقيت الاتفاقية سرية إلى أن كشفها البلاشفة عام 1917، ما صدم العرب الذين كانوا قد وُعدوا بالاستقلال مقابل الثورة على العثمانيين. ومنذ تلك اللحظة، أصبحت الاتفاقية رمزًا للخيانة الغربية ولتقسيم المنطقة على حساب الشعوب.
بعد عام واحد من سايكس-بيكو، أصدرت بريطانيا وعد بلفور (1917) الذي تعهد بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين . هذا الوعد لم يكن معزولًا عن التفاهمات السابقة، بل كان تكملة منطقية لها . فقد أخرجت سايكس بيكو فلسطين من سيطرة مباشرة لأي دولة، مما فتح الباب أمام ترتيبات جديدة. بريطانيا، التي حصلت لاحقًا على الانتداب على فلسطين، استغلت موقعها لتطبيق الوعد، بينما وجدت الحركة الصهيونية في لندن حليفًا استراتيجيًا لتحقيق مشروعها. وهكذا انتقلت فلسطين من منطقة دولية في نصوص سايكس بيكو إلى مختبر سياسي للمشروع الصهيوني.
في مؤتمر سان ريمو عام 1920 وعصبة الأمم عام 1922، مُنح لبريطانيا انتداب رسمي على فلسطين. وهنا تحولت الوعود إلى سياسات عملية، شملت تسهيل الهجرة اليهودية وتشجيع شراء الأراضي وتأسيس المستوطنات، ودعم بناء مؤسسات يهودية موازية للدولة مثل الوكالة اليهودية والهاغاناه. وبينما كان العرب يطالبون بالاستقلال، كانت بريطانيا ترعى بناء “دولة داخل الدولة” تمهيدًا لإعلان إسرائيل لاحقًا.
مع نهاية الانتداب البريطاني عام 1948، كانت موازين القوى قد انقلبت. فالحركة الصهيونية باتت تملك جيشًا منظمًا واقتصادًا متماسكًا ودعمًا دوليًا قويًا. ومع قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين عام 1947، استُكملت الحلقات .. سايكس بيكو وضعت الأساس الجغرافي والسياسي لتقسيم المنطقة، ووعد بلفور أرسى الشرعية الدولية للمشروع الصهيوني، والانتداب البريطاني حول الوعد إلى واقع ملموس عبر سياسات ممنهجة، أما قيام إسرائيل فكان النتيجة النهائية لمسار بدأ في الغرف المغلقة عام 1916.
يكشف الترابط بين هذه المحطات عن خطة استعمارية متدرجة، لم تكن مجرد مصادفات تاريخية. لقد التقت المصالح الإمبريالية البريطانية مع المشروع الصهيوني على حساب الشعب الفلسطيني والعرب عامة. ومنذ ذلك الحين، تحولت فلسطين إلى بؤرة صراع دولي وإقليمي، ليس فقط بسبب موقعها الاستراتيجي، بل لأنها تمثل رمزًا لتقاطعات الاستعمار والطموحات القومية والصراعات الدينية.
إن اتفاقية سايكس بيكو لم تكن سوى الشرارة الأولى في سلسلة معقدة من التفاهمات الدولية التي مهدت لولادة إسرائيل. وما بين الخرائط السرية عام 1916 والتصريحات السياسية عام 1917 والانتداب المنظم بين 1920 و1948، تبلورت حقيقة جديدة في قلب المشرق العربي. إن فهم هذا التسلسل التاريخي ليس مجرد قراءة للماضي، بل هو ضرورة لفهم حاضر المنطقة وصراعاتها المستمرة، حيث ما زالت آثار تلك الخرائط والوعود تلقي بظلالها على الحاضر وتطرح سؤالًا مؤلمًا .. إلى متى تظل خرائط الشعوب تُرسم في غيابها؟




























