الصحوة – مروان بن أحمد بن محمد الشيذاني
هل حدث معك يومًا أنك بعد ساعات طويلة من تصفّح مواقع التواصل الاجتماعي وجدت نفسك وكأنك منفصل عن الواقع؟ عقلك مشوش، لا تتذكر ما شاهدت، ولا تستطيع ترتيب فكرة واحدة أو حتى معرفة ما الذي يجب عليك القيام به الآن؟ تلك اللحظة من الفراغ الذهني ليست مجرد شعور عابر، بل مؤشر على ظاهرة أصبحت حديث الباحثين تُعرف باسم “تعفّن الدماغ“. في مقالنا السابق بعنوان: “مواجهة التحديات الرقمية: كيف نحمي أطفالنا من تأثيرات الثقافة الغربية؟” تطرقت لهذا المصطلح. واليوم، نواصل الحديث لنغوص أكثر في فهم هذا التعبير الذي اختارته جامعة أكسفورد مصطلحًا للعام 2024م، فهذا المصطلح مخيف بحد ذاته، فكيف يتعفّن الدماغ؟ وكيف نتجنب تعفّنه؟ في هذا المقال، سنوضح المشكلة بتفصيل أكبر، ونستعرض حلولًا عملية تساعد على حماية عقولنا من الانغماس في محتوى رقمي سلبي، وتعزيز قدرات التفكير والإبداع لدينا.
يعود أول استخدام مسجّل لمصطلح “تعفّن الدماغ” إلى عام 1854 في كتاب “والدن” (Walden) للكاتب والشاعر الأمريكي هنري ديفيد ثورو، حيث استخدمه للتعبير عن تدهور المعايير الفكرية. واليوم، أصبح المصطلح يُستخدم بشكل شائع على منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث شهد استخدام المصطلح زيادة بنسبة 230% مقارنة بالعام السابق؛ولهذا تم إدراجة ككلمة العام في سنة 2024م في قاموس جامعة أكسفورد. فقد عرّفته الجامعة على أنه: “التدهورالمفترض في الحالة العقلية أو الفكرية للفرد، خاصة نتيجة الإفراط في استهلاك محتوى يُعتبر تافهًا أو غير محفّز، خصوصًا عبر الإنترنت”. بمعنى آخر، الإفراط في تصفّح مواقع التواصل الاجتماعي يسبب تدهور في الحالة العقلية ويضعف التفكير.
“تعفّن الدماغ” ليس مرضّا جسديا أو نفسيًا بحد ذاته –كما أشار إليه التعريف بأنه مفترض-، ولكنّه يشير للأضرار التي يمكن أن تلحق بنا نتيجة استخدام التكنولوجيا الحديثة بإفراط، وخاصة عند تعرضّنا للمحتوى الهابط الذي يُبَثُّ من خلالها. وهذا ما أكده الدكتور أندرو برزيبيلسكي، أستاذ سلوك الإنسان والتكنولوجيا في جامعة أكسفورد، حنيما قال : “هذا المصطلح يعكس حالة من القلق الجماعي بشأن تأثيرات التكنولوجيا على الدماغ“. وأوضح أن المصطلح لا يستند إلى دليل علمي قوي، بل هو تعبير ثقافي عن المخاوف المتعلقة بالإفراط في استخدام الإنترنت ومحتواه السطحي.
في دراسة حديثة حول تأثيرات الحياة الرقمية على الصحة العقلية، تناولت الدكتورة إيلينا توروني، استشارية علم النفس والمؤسسة المشاركة لعيادة تشيلسي لعلم النفس، موضوع “تعفّن الدماغ” (Brain Rot) وارتباطه بالإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي. ووفقًا لتصريحاتها المنشورة في صحيفة ((The Telegraph, 2024، أوضحت أن هذا المصطلح يُستخدم لوصف “ذلك الشعور الضبابي الذي ينتابك عندما تستهلك كثيرًا من المحتوى المكرَّر منخفض الجودة”، وأضافت: “إنه ذلك الشعور بالاستنزاف العقلي أو البلادة الذهنية الذي يحدث بعد ساعات من تصفح وسائل التواصل الاجتماعي، أو مشاهدة البرامج، أو الانخراط في مواد لا تحفز عقلك”.
قبل عشرين عامًا، وبالتحديد في عام 2005م، أجرى الباحث غلين ويلسون (Glenn Wilson) من كلية كينجز بجامعة لندن دراسة تناولت تأثير رسائل البريد الإلكتروني (Email) على الذكاء والإنتاجية والسلوكيات الاجتماعية، شملت 1100 مشارك. أشارت النتائج إلى أن الرسائل المستمرة عبر البريد الإلكتروني تقلل معدل الذكاء بمعدل متوسط يبلغ 10 نقاط، وهو أكثر من ضعف الانخفاض المرتبط بتناول الماريجوانا (نبات مخدر). وقد رُصدت حالات من الخمول والنعاس وفقدان التركيز الناتج عن الهوس بالرد على كل رسالة جديدة، كما لوحظ تأثير سلبي على السلوكيات الاجتماعية، مثل مقاطعة الحديث والاجتماعات، رغم إدراك الأغلبية لعدم قبول هذا السلوك اجتماعيًا. وأكد ويلسون أن هذه الظاهرة تؤدي إلى تفكير مشوش وأداء ضعيف.
فاليوم ومع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وظهور المقاطع القصيرة التي تحمل مسميات مختلفة مثل ريلز (Reels) على إنستجرام، وفيديوهات تيك توك ، وشورتس (Shorts) على يوتيوب، أصبحت هذه المقاطع أحد أبرز المصادر لتعفّن الدماغ. فجميعها تعتمد على التمرير المستمر والإشباع الفوري، مما يحفز الدماغ على إفراز الدوبامين بشكل متكرر، فينشأ شعور سريع بالمكافأة يتبعه شعور بالنقص، مما يؤدي إلى دوامة إدمانية تهدد التركيز والإنتاجية. وقد أظهرت دراسة تشو وزملاؤه (Zhou et al., 2022) أن الإفراط في استهلاك هذه المقاطع يؤثر على مناطق الدماغ المسؤولة عن الانتباه والذاكرة. وأشارت الدراسات العصبية إلى أن الإفراط في استخدام الإنترنت يترك تأثيرات هيكلية على الدماغ. فقد أظهرت دراسة يوان (Yuan, 2011) انخفاضًا في حجم المادة الرمادية (Grey Matter)، وهي الأنسجة العصبية المسؤولة عن الوظائف التنفيذية مثل: حل المشكلات، وتنظيم العواطف، والذاكرة، والتحكم في الدوافع.
فكيف يمكننا التصدي لتعفن الدماغ”؟
قبل طرح الحلول والتوصيات، لا بد من الاعتراف بأن مشكلة “تعفّن الدماغ” موجودة لدى الجميع – صغارًا وكبارًا – وأن التعافي منها يحتاج إلى وقت وجهد مستمرين؛ السبب وراء طول هذه المدة هو تأثير الإدمان الرقمي الذي يماثل تأثير المخدرات والمشروبات الكحولية على الدماغ –كما أظهرت الدراسات–. لذلك، يجب علينا جميعًا أن نقف معًا لمواجهة هذه الأزمة، والتحرر من قيود الإدمان الرقمي، الأمر الذي سينعكس إيجابًا على أطفالنا ويعزز هويتنا، ويجعلنا أكثر تمسكًا بتعاليم ديننا الحنيف. ومن أبرز الحلول:
أولا: القرب من الله تعالى والانشغال بطاعته: تعزيز الصلة بالله تعالى من خلال الصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، والانشغال بالعبادات اليومية، يعمل على تهدئة العقل وتنمية التركيز الذهني، ويقوي الانضباط النفسي، مما يقلل الميل للإدمان على المحتوى الرقمي السطحي. وقد كان النبي ﷺ مثالًا حيًا على الانشغال بطاعة الله وتنظيم الوقت بين العبادة والعمل، فقد ورد أن النبي ﷺ كان يبدأ يومه بالعبادة والدعاء، ثم يشارك في خدمة المجتمع، ويولي أهله حقهم من الاهتمام، ويخصص وقتًا للتدريس والإرشاد، حتى جمع بين النشاط الروحي والفكري والاجتماعي بطريقة متوازنة. قال الله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} (سورة النساء، الآية 36)، وقال ﷺ: “من غفل عن ذكر الله فقلوبهم خاوية” [صحيح البخاري]. لذا فإن الاقتداء بهذا النهج يعزز القدرة على التركيز، ويقوي الإرادة الذاتية، ويجعل العقل أقل عرضة للانغماس في الملهيات الرقمية.
ثانيًا: ممارسة الرياضة بانتظام: لم يكن النبي ﷺ يهمل الجانب البدني، فقد ورد أنه ﷺ كان يتسابق مع زوجته عائشة رضي الله عنها، مما يوضح حرصه على النشاط البدني ضمن حياته اليومية بطريقة ممتعة ومتوازنة. وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن ممارسة الرياضة تحفز الدماغ على إفراز بروتينات وعوامل نمو عصبية تساعد على تعزيز المادة الرمادية في الدماغ (Grey Matter). فقد أظهرت دراسة دافيدسون وزملاؤه (Davidson et al., 2018) أن ممارسة الرياضة المعتدلة يوميًا تزيد من حجم المادة الرمادية في المناطق الدماغية المسؤولة عن التركيز واتخاذ القرار، فيما أكدت مراجعة منهجية نُشرت في مجلة فرونتيرز إن سايكولوجي (Frontiers in Psychology, 2019) أن النشاط البدني يقلل التوتر الذهني ويعزز التركيز، ويعمل كحاجز فعال ضد الآثار السلبية للتعرض المفرط للمحتوى الرقمي السطحي. وبذلك، يعد النشاط البدني أداة أساسية لحماية الدماغ وتقوية الصحة النفسية لجميع الفئات العمرية.
ثالثا: التواصل الاجتماعي الواقعي : فالانخراط في الأنشطة الأسرية والاجتماعية المباشرة يعزز الترابط الأسري، ويقوي المهارات الاجتماعية، ويقلل الاعتماد على العالم الافتراضي كمصدر أساسي للتسلية أو التواصل. وقد أكدت الشريعة الإسلامية على أهمية الأسرة والمجتمع في بناء شخصية الفرد، فقال النبي ﷺ: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” [صحيح البخاري].
وقد أظهرت الدراسات العلمية أن التواصل الواقعي والأنشطة الاجتماعية المباشرة تعزز الصحة النفسية وتقلل من مستويات القلق والاكتئاب المرتبطة بالاستخدام المفرط للوسائط الرقمية. فعلى سبيل المثال، أظهرت دراسة هو وشيانغ(Ho & Chiang, 2020) أن المشاركة في أنشطة جماعية حقيقية تحسن من مهارات الاتصال والتعاون، وتقوي الروابط الاجتماعية بين الأطفال والشباب، بينما أظهرت مراجعة منهجية في مجلة Frontiers in Psychology (2021) أن الدعم الاجتماعي الواقعي يحمي الأفراد من آثار العزلة الرقمية والإدمان على المحتوى الرقمي، ويعزز الشعور بالانتماء والانضباط الذهني.
رابعًا: تنظيم وقت استخدام الأجهزة: يعد وضع حدود زمنية واضحة للأجهزة الرقمية أحد أهم الوسائل لحماية الدماغ من الإرهاق الناتج عن الاستخدام المفرط، ويتيح الفرصة للتركيز على الأنشطة المفيدة والهوايات التعليمية. وتشمل استراتيجيات إدارة الوقت الفعّالة استخدام التطبيقات التي تحدد مدة الشاشة اليومية، مثل Screen Timeعلى أجهزة الأيفون أو Digital Wellbeing على أجهزة أندرويد، ووضع جداول زمنية واضحة لكل نشاط رقمي، مع تخصيص فترات منتظمة للراحة والنوم. كما أنصح بشدة استخدام تطبيق (Family Link) لأولياء الأمور، للتحكم بمدة استخدام أجهزة الأطفال وتقييد المحتوى الذي يصلون إليه.
وفي الختام، لا ريب أن التكنولوجيا فتحت أمامنا آفاقًا واسعة وسهّلت حياتنا، وجعلت المستحيل ممكنًا، وأتاحت لنا فرصًا لم نكن نحلم بها. ومع ذلك، لا يمكننا أن نتجاهل الجانب المظلم لهذا العالم الرقمي، فالتقنية سلاح ذو حدين؛ يمكن أن يكون معينًا ورافدًا للإبداع والنجاح، ويمكن أن يصبح فخًا ينهك عقولنا ويستنزف طاقاتنا في الوقت نفسه.ولقد سلطنا الضوء على “تعفّن الدماغ” كمثال حي على التأثير الخفي والخطير للمحتوى الرقمي التافه، الذي يتسلل إلى عقولنا ببطء حتى يبلّد قدراتنا على التفكير والتحليل النقدي. وما يزيد من خطورة الأمر هو أن هذه الظاهرة ليست وليدة اللحظة، بل تراكمت عبر العصور، لتتشكل في صورتها الجديدة، فتصبح أكثر قدرة على النفاذ إلى الذهن وإحداث خلل في نظم التفكير والتركيز، حتى أصبح من الضروري أن نتعرف إليها؛ لنقف في وجهها بوعي وحزم.فالهدف ليس محاربة التطور، بل استخدامه بحكمة، لنرتقي بعقولنا ونحرّر قدراتنا من قيود الإدمان، ونبني جيلًا واعيًا قادرًا على التمييز بين النافع والضار؛ لنصنع حياةً واعية مليئة بالوعي والفكر الخلّاق.

























