الصحوة – ظافر بن عبدالله الحارثي
إن علاقة الإنسان بالقانون علاقة وجودية لا يمكن فكّها أو تجاوزها، فهي رابطة مصير وحاجة متبادلة، لا غنى لأحدهما عن الآخر. فالقانون، من دون الإنسان، يظلّ نصًا جامدًا بلا أثر، والإنسان، من دون القانون، قد تغيب عن حياته ملامح النظام والعدل. إن هذه العلاقة تهدف إلى غاية سامية: ترسيخ قيم العدل والسلام، وضمان الأمن والاستقرار، في واقع يتطور باستمرار وتتعقد فيه صور السلوك الإنساني.
تتجلى مهمة النصوص القانونية في تقويم السلوك الإنساني وتنظيمه، بما يكفل لكل فرد التمتع بحقوقه وحرياته، ويحمله في الوقت ذاته مسؤولية أداء واجباته واحترام الآخرين. ويُراد من ذلك بناء منظومة متوازنة تحقّق التكافؤ والمساواة بين الجميع، في مجتمع يتسارع فيه التغيير وتتشابك فيه المصالح.
ويُقصد بـ”روح القانون” المعاني التي تسكن خلف ظاهر النصوص، والغايات التي وُضعت من أجلها، والعدالة التي تُقاس لا بالمعايير الصارمة فقط، بل أيضًا بموازين الحكمة والرحمة. إن روح القانون لا تقف عند حدود تطبيق القواعد، بل تتعداها إلى إدراك مقاصدها، وإنزال الحكم بما يتناسب مع طبيعة الفعل وظروف الفاعل، عبر سلطة تقديرية حكيمة تمارسها الجهات القضائية والإدارية.
فالروح هنا تمثل ضمير النصوص وبصيرة العدالة، وضرورتها تتجلى في عدد من الأهداف المعاصرة: كتحفيز السلوك المسؤول، وتعزيز ثقة الناس في النظام القانوني، وإتاحة فرص الإصلاح والتقويم بدلًا من الاقتصار على العقاب، وتجديد الأخلاق العامة في سياق الحياة المتغيرة.
ومن صور تطبيق “روح القانون” في عصرنا، ما نراه في توسيع مفهوم العدالة التصالحية، وفي مراعاة الظروف الاجتماعية والنفسية والاقتصادية عند إصدار الأحكام، فضلًا عن احترام كرامة الفرد، وحماية المراكز القانونية المكتسبة، وافتراض حسن النية، وترجيح البراءة عند الشك، وتفسير النصوص لصالح الإنسان لا ضده. وهذه كلها مؤشرات على أن القواعد القانونية ليست أوامر جافة، بل أدوات تقويم وبناء.
وقد يُطرح التساؤل: هل يُقدَّم النص القانوني على روحه، أم العكس؟ والإجابة تكمن في التوازن. فالحكم الذي يخلو من النص يفتقر إلى المشروعية والأساس القانوني، وقد يفضي إلى البطلان. أما الحكم الذي يغيب عنه روح القانون، فقد يتسم بالجمود ويُفضي إلى ظلم أو تعسف، مما ينال من عدالته ومصداقيته. ومن ثم، فإن العدالة المتوازنة لا تتحقق إلا بجمع النص وروحه معًا، تطبيقًا وتأويلاً.
وفي زمن يتجه نحو الذكاء الاصطناعي، والأنظمة المؤتمتة، والتشريعات المتغيرة، تصبح الحاجة إلى روح القانون أكثر إلحاحًا، حتى لا تتحول القوانين إلى أدوات بيروقراطية صماء، تفقد الاتصال بقيم الإنسان واحتياجاته. إن الفطرة الإنسانية تولد نقيّة، ولكن استمرارية صفائها مرهونة بالوعي والاختيار. لذلك، فإن مهمة ترسيخ الفهم الحقيقي للقانون ليست مقصورة على المحاكم والمشرّعين، بل مسؤولية جماعية تقع على عاتق المؤسسات، والتربويين، والإعلام، والمختصين، وكل مواطن واعٍ.
إن تعزيز روح القانون في مجتمعاتنا ليس مجرد طموح نظري، بل هو التزام أخلاقي، يضمن تسليم مشاعل العدالة إلى أجيال قادمة، تؤمن بأن القانون ليس سوطًا للتخويف، بل ميثاقٌ يضمن الكرامة، ويحمي الحقوق، ويهدي إلى سواء السبيل.




























