الصحوة – د.محمد العرب
كان الإنسان منذ الأزل يرفع رأسه نحو السماء، يبحث في النجوم عن قصص لا تنتهي، يقرأ في حركتها حكايات ويستدل بها على الطريق في صحراء لا نهاية لها…!
كانت السماء كتاباً مفتوحاً فوقه، والنجوم صفحاته المضيئة، كل نجم حكاية، وكل مجرة قصيدة لا يملك أن يحصيها، لكنه كان يجد في مجرد النظر إليها عزاءً، ومعنى يتجاوز ضيق الأرض. واليوم، شيء ما تبدّل، كأن السماء نفسها انطفأت في عيوننا. لم نعد نرفع أبصارنا، ولم نعد نمنح أعناقنا تلك اللحظة من الانعتاق نحو العلو، صار الأفق محجوباً عنا، وصار الليل مجرد خلفية لإشعارات الهاتف، لا حضناً للروح الباحثة عن أسرارها. فما الذي حدث لنا؟ ولماذا لم تعد النجوم تغوينا كما كانت؟
ربما لأننا استبدلنا السماء بشاشات مضيئة، ضاقت مساحاتنا حتى صارت مربعة الأبعاد، شاشة بين يدينا تسلبنا وهج النجوم. كنا ننظر إلى الأعلى لنجد اللهفة، فصرنا ننظر إلى الأسفل لنستجدي الوهم. كنا نقرأ في نجمة بعيدة دليلاً على أن الكون أكبر من جراحنا، أما اليوم فنقرأ في ضوء أزرق بارد أخباراً عن صراعات صغيرة لا تتجاوز حجم راحة اليد. لم يعد للسماء حضور في وعينا، لأنها لا تتفاعل معنا بالسرعة التي نريدها. النجوم صامتة، ونحن كرهنا الصمت، فضلّلنا عليها صخباً يُغرقنا، حتى لو كان بلا معنى.
لكن الأمر أعمق من مجرد استبدالٍ تقني، فالمسألة تتعلق بالروح نفسها. الإنسان الحديث لم يعد يحتمل فكرة البُعد، لم يعد يتقبل أن هناك مسافات ضوئية تفصل بينه وبين نجمة، وأن الوصول إليها يتجاوز عمره وعمر أحفاده. نحن أبناء السرعة، أبناء اللمسة الواحدة التي تجلب العالم إلينا، لم نعد قادرين على التأمل في شيء لا يستجيب لرغباتنا الفورية. النجوم لا تمنحنا رداً، لا تعلق على صورنا، لا تمنحنا إشعاراً بالقبول، ولهذا أهملناها. في لحظة ما، صارت السماء صامتة أكثر مما ينبغي، بينما أرواحنا صارت هشة أكثر مما ينبغي.
لقد حدث لنا أننا فقدنا الإحساس بالدهشة. الدهشة التي كان سقراط يسميها أصل الفلسفة، والدهشة التي كان الأطفال يعرفونها حين يرسمون نجمة بخطوط ساذجة لكنها تشبه ما في السماء. حين غابت هذه الدهشة، صارت النجوم مجرد نقاط فيزيائية، أرقام على جداول علمية، لا سر فيها ولا شعر. لقد قتلنا السحر باسم العلم، وأطفأنا المعنى باسم التفسير. نعم، العلم منحنا خرائط دقيقة للمجرات، لكنه نزع عنها الغموض الذي يجعلها صالحة للخيال. والإنسان الذي يفقد خياله، لن تعود النجوم تغريه، لأنها تصبح مجرد إحداثيات لا أكثر.
لكنني أظن أن القضية أخطر من ذلك، فهي ليست فقط أزمة دهشة، بل أزمة هوية. نحن لم نعد نعرف من نحن في هذا الكون. كنا ننظر إلى السماء فنشعر أننا جزء من رواية كبرى، أن وجودنا متصل بما هو أبعد منا. أما اليوم، فنعيش في عزلةٍ من نوع جديد، عزلة صنعناها بأنفسنا، عزلة الإنسان الذي قطع الحبل السري مع الكون وأوهم نفسه أنه مكتفٍ بذاته. لم نعد نرى في النجوم مرآةً لروحنا، بل مجرد غبار قديم لا يعنينا. وهكذا فقدنا الرابط بين الأرض والسماء، بين السؤال والإجابة، بين الحلم والواقع.
إنني أرى أن ما حدث لنا هو أننا كبّلنا أعناقنا بالأرض. نحن سجناء المدن، أضواءها تخنق السماء، وضجيجها يحجب عنا الصمت الذي كنا نحتاجه لنسمع حكايات النجوم. لم نعد نرى السماء لأننا غرقنا في أبراج الأسمنت، وحين نرفع رؤوسنا، نصطدم بزجاج النوافذ لا بأفق المجرات. لم نعد نرى النجوم لأننا نحن من صنعنا ضوءاً زائفاً طغى على ضوءها، أضأنا الأرض حتى أطفأنا السماء. إنها مفارقة عصرنا: كلما زادت أضواء المدن، زادت عتمة السماء في أعيننا.
ولعل السبب الأعمق هو أننا لم نعد نملك وقتاً للتأمل. السماء تحتاج إلى صبر، تحتاج إلى سكون، إلى عينٍ تبقى معلقة طويلاً في الأفق لتدرك أن النجمة التي تراها الآن ربما ماتت منذ ملايين السنين، لكنها ما زالت تُرسل نورها. هذه المفارقة كانت درساً في معنى الزمن، في أن الوجود أوسع من اللحظة التي نحياها. لكننا، أسرى اللحظة، أسرى سرعة الأخبار والمكاسب السريعة، لم نعد نحتمل فكرة أن الزمن ليس ملكنا وحدنا. لم نعد نحتمل أن نكون عابري سبيل في كونٍ باقٍ.
ماذا خسرنا إذن حين أهملنا السماء؟ خسرنا مرآةً كنا نرى فيها اتساع أرواحنا. خسرنا عزاءً في مواجهة ضيق الحياة. خسرنا شعوراً بأننا لسنا وحدنا، وأننا جزء من نسيجٍ كوني يتجاوز آلامنا الصغيرة. خسرنا فرصة لنفهم معنى الهشاشة، ومعنى الامتداد، ومعنى أن وجودنا نفسه عابر مثل شهابٍ ينطفئ في لحظة. النجوم لم تتغير، نحن الذين تغيرنا، نحن الذين أدرنا وجوهنا عنها، حتى صارت تتلألأ في صمتٍ يفضح غيابنا.
ولعل أخطر ما في الأمر أننا لم نكتفِ بتجاهل النجوم، بل استبدلناها بآلهة جديدة من صنعنا: المال، التكنولوجيا، الشهرة. كل واحد منا صار يبحث عن مجرته الخاصة في جيبه، ويحسب أن الأرقام التي تضيء على شاشته أهم من المجرات التي تضيء في السماء. ومع ذلك، في أعماقنا، يبقى حنين غامض لا نعرف اسمه، حنين يزورنا في ليالٍ نادرة حين نضطر لأن نرى السماء صدفةً في مكان بعيد عن المدن، فنشعر بشيء قديم يهزّنا من الداخل، شيء يشبه الدهشة الأولى، دهشة الإنسان البدائي وهو يرفع رأسه لأول مرة ليدرك أنه ليس وحيداً.
إنني أعتقد أن النجوم لم تغب عنا، نحن الذين غبنا عنها. السماء ما زالت هناك، مفتوحة، صامتة، تنتظر أن نستعيد قدرتنا على الإنصات. وما لم نرفع رؤوسنا من جديد، سنبقى سجناء الأرض، نكرر معاركنا الصغيرة، ونغرق في تفاصيل لا تساوي شيئاً في مواجهة الأبدية التي تلمع فوقنا. لقد آن لنا أن نكسر قيد الأرض ونعود إلى السماء، لا لنسألها عن مصائرنا كما فعل القدماء، بل لنستعيد قدرتنا على الدهشة، على التأمل، على أن نكون بشراً يعرفون أن وجودهم ليس إلا ومضة بين ملايين النجوم.



























