الصحوة – سعاد الوهيبية
في قلب العاصمة البيلاروسية مينسك، وعلى مقربة من نصب “المدينة البطل”، ينتصب متحف التاريخ العسكري كأنّه شاهدٌ حيّ على ذاكرة وطنٍ قاوم، وانتصر، وخلّد بطولاته في الحجر والوثائق.
حين تطأ قدماك بوابة المتحف، لا تدخل مجرد مبنى، بل تعبر إلى زمنٍ آخر، زمن الحرب الوطنية العظمى، التي عرفت عالميًا بالحرب العالمية الثانية، تأسس المتحف عام 1944، في لحظة فارقة من تاريخ بيلاروسيا، إذ كانت المدينة تخرج لتوّها من تحت وطأة الاحتلال النازي، لم يكن تأسيسه مجرد فعل ثقافي، بل كان إعلانًا عن عودة الروح، وتوثيقًا حيًا لبطولات شعبٍ لم ينكسر.
المبنى نفسه يحكي قصة، بتصميمه المعماري المهيب الذي شارك فيه نخبة من المعماريين البيلاروسيين، من بينهم فيكتور كرامارينكو وليونيد ليفين، يبدو المتحف وكأنه ينهض من الأرض ليحمل راية الذاكرة، هندسته تجمع بين الرمزية الوطنية والتقنيات الحديثة، فتمنح الزائر تجربة بصرية ووجدانية لا تُنسى.
داخل القاعات العشر، تتوزع أكثر من 150 ألف قطعة أثرية: صور، رسائل، أسلحة، مقتنيات شخصية، وحتى يوميات الجنود والمواطنين الذين عاشوا الحرب، وكل زاوية تحكي حكاية، وكل وثيقة تنبض بالحياة، والعرض ليس تقليديًا، بل تفاعليًا، حيث تُستخدم تقنيات رقمية وصوتية لتغمر الزائر في أجواء تلك الحقبة، وكأنّه يعيشها لحظة بلحظة.
المتحف لا يستقبل الزوار فقط، بل يستقبل التاريخ نفسه، في أكتوبر 2025، زاره جلالة السلطان هيثم بن طارق، في زيارة رسمية لبيلاروسيا، واطّلع على تفاصيل المعروضات، مستمعًا إلى روايات البطولة التي سطّرها الشعب البيلاروسي.
لكن المتحف لا يكتفي بسرد الماضي، بل يحمل رسالة للمستقبل: أن الشجاعة لا تُنسى، وأن السلام لا يُمنح بل يُنتزع، وأن الذاكرة الوطنية هي درع الشعوب في وجه النسيان.
في مينسك، لا يُعد متحف التاريخ العسكري مجرد وجهة سياحية، بل هو رحلة وجدانية في قلب التاريخ، حيث تلتقي الشجاعة بالدمع، وتُروى الحكايات على لسان الحجر والوثيقة.



























