الصحوة – في أكتوبر من كل عام تحتفي سلطنة عُمان بيوم المرأة العُمانية تقديرًا لدورها الفاعل في بناء الوطن وتكريمًا لعطائها المتواصل في مختلف الميادين تأكيدًا على مكانتها كشريك أساسي في مسيرة التنمية والنهضة. هنا نتعرف أكثر على أحد نساء عمان الشامخات من شموخ مسندم، ألا وهي الكاتبة والإعلامية الدكتورة خديجة الشحية.
كيف بدأت رحلة الدكتورة خديجة الشحية نحو أفق الإعلام العماني؟
بدأت أحبو في واحة القُراء عبر كتابة الخواطر، ثم خطوت أولى الخطوات بكتابة الأعمدة ثم خطوت خطوات أوسع بكتابة المقالات في صفحة الأسرة والتي كانت تشرف عليها الأستاذة القديرة فاطمة بنت غلام الزدجالية في جريدة عُمان، بشرارات الشغف هذه وجدت نفسي أعوم في بحر كتابة المقالات بأنواعها، والتي لعبت دور التحفيز والتشجيع، فلطالما تملكتني الفرحة عندما كنتُ أجدها منشورة على صفحات الجريدة، أتحسسها بروح مبتهجة.
وبمرور الوقت، وجدت نفسي شيئا ما يدفع قلمي في كتابة المسرحيات، والأوبريتات الغنائية، وإذا بي أجدني وقد شاركتُ في المحافل المحلية في هذين المجالين. لقد كانت تجربة غنية ومُجهدة، ولكن مبهجة بالمقدار نفسه، وإذا بي محاطة بحراك ثقافي لا يعرف الهدوء، فأمواج انجاز هنا تدفع بين إلى انجاز آخر هناك، وحينها راودتني أمنية، وهي أن أجد موطأ قدم في الحقل الإعلامي بالسلطنة.
وما هي إلا أيام وأجدني أندفع بتقديم طلب شغل وظيفة تم الإعلان عنها بجريدة عمان، وها أنا ذا أجتاز المقابلة المخصصة للتوظيف بالهيئة العامة للتلفزيون، لأرى نفسي بين لمحات البصر موظفة في قطاع الأخبار

إلى هنا.. هل انتهت الأمنيات عندما بلغت إلى ما كنت تصبين إليه؟
كلا!
الشغف يتجاوز بالمرء من أفق إلى آخر، فما من إعلان وظيفة يتم طرحه في المجالات الإعلامية إلا وكنتُ أبادر بتجربة حظي تُرى أين سيقودني آخر الطريق..
وإذا بي أرى نفسي بين عشية وضحاها محررة أخبار في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون.
لقد كانت تجربة جديدة ومختلفة، بدأتها كمحررة، ثم مُعدة برامج إخبارية، ومراسلة ميدانية، وكان يومي يبدأ بالتحرير والإعداد واختمه بالعمل الميداني في التغطيات الصحفية الخارجية.
ذكريات هذه المرحلة لا تزال عالقة في ذهني لا يجد النسيان طريقا إليها أبدا.
لقد أتت الدكتورة خديجة من محافظة مسندم العريقة ذات طابع جغرافي متميز وثقافي خاص، هل لهذه الميزات روافد وجدت طريقها لصقل شخصية الدكتورة خديجة؟ وهل لها بصمات على رؤيتك للرسالة الإعلامية والثقافية؟
البُعد الجغرافي عن بقية مناطق السلطنة خصوصا مسقط العاصمة، أوجد حولي هالة من العزلة، إلا إنها شكلتني بألوان طيف مسندم ليالي اتساق القمر.
إنها ولاية خصب التي تضرب بهدوئها في شخصيتي. إن إطلالاتها الساحرة وانعكاساتها على جبال خصب ثم ارتدادها على سطح البحر كانت تدفع بي إلى أن أحملها في طيات شخصيتي وأذهب بها بعيدا..
خليط من الهدوء والابداع والعزلة بدأت بالكتابة عنها في مقالاتي، تارة أتحدث عن المقومات السياحية في خصب، وأخرى عن مسندم التي وُصفت يوما بأنها حارسة مضيق هرمز الأمينة، فكان قلمي يعرفني ويعرف موطن نشأتي للُقرائي. ولكن لا بد لكل عُزلة أن تلقي بنفسها في أحضان الصخب.
قد يظن البعض أن البيئات المتسمة بالأجواء التقليدية والمحافظة تقف في وجه الابداع والانطلاق…. هل فعلا عانت الدكتورة خديجة من تلك التقاليد العريقة؟
السمت الذي أضفته على شخصيتي تلك التقاليد التي تستمد جذورها من تاريخ عريق كان سمت الحياء والهدوء والاتزان، لا أنكر أن هذا السمت في فترة ما جعلني أتخلى عن بعض استحقاقاتي كطالبة جامعية ثم كموظفة إعلامية.
وعند الاستقرار في مسقط التي تمتاز بإيقاع هو مزيج من شتى النكهات، بطبيعة حال العواصم، بدأت أكتشف كيف يمكنني أن أقلب ما ظننته نقاط ضعف إلى نقاط قوة، فالحياة مدرسة تسد حاجتنا من الدروس التي تصقل شخصياتنا بمرور الزمن.
أمواج الحياة تدفع بالفتاة الهادئة ذات بيئة بحرية وجبلية معزولة إلى حد ما إلى منصب رئيسة لجنة الصحفيات بجمعية الصحفيين العمانية، وتدفعها لاقتناص عضوية في عدة اتحادات صحفية دولية… كيف تقيمين هذا التحول من كاتبة صحفية إلى عضو إعلامي فاعل في المؤسسات التابعة لهذا الحقل الهام؟
العمل الإعلامي بطبيعته أن يزحزح أمام صاحبه،، إمرأة كانت أم رجل مختلف المعوقات، فهذا العمل ساهم في انبثاق شخصية فاعلة لم يعد إيقاع العُزلة السابق يستطيع إيقاف نشاطها.
ومنصبي في الجمعية وضعني أمام مسؤوليات غير مسبوقة، فإذا أجد نفسي في موقع اتخاذ قرار، وكان لا بد لهذه القرارات أن تكون إيجابية وتصنع مستقبلا مشرقا للمرأة الصحفية في السلطنة. لقد أصبحتُ شريكا فاعلا في المهام التي تضطلع بها الجمعية.
إنها تجارب غنية جدا ولا يمكن نسيانها.
الحس الصحفي مع تجارب التحرير، امتزجت معك بالتحليل الأكاديمي… كيف يمكن منح التوازن لهذه الأبعاد الثلاثة في أداء واحد؟
إنها حزمة تتألف من “الحياد”، و”التوازن” و”التحليل”، فهذا المثلث لا يخيب تأثيره على الإطلاق، إنه يمنح التوازن،، هذا المثلث يمنع العاطفة أن تميل بالقرار صوب جهة دون أخرى.
كنت أحرص دائما على أن لا تفتقد مقالاتي بُعد الذكاء الاجتماعي حتى لا تظهر المعالجات على هيئة تبدو متكلفة. العمل الصحفي جهدٌ يتطلب مهارات خاصة لأن الكلمة إن خرجت على هيئة مقال منشور، فلن يكون بوسعك لاحقا إيجاد أدنى تغيير فيه. إنها تجعل الكاتب أو المحرر على قدر عال من الالتزام المهني.
لننتقل إلى إصدارات الدكتورة الشحية..
بدأت بتقديم عمل كتاب بعنوان “أوراق إعلامية من مسندم”، وكان يتسم بطابع وجداني، هل هنالك دلالات لصدور عمل يحمل أسم مسندم على الغلاف؟
بالتأكيد كما لا يخفى عليك.
سطر الكتاب تجربة فتيات راودتهن رغبة يوما في تخطي حاجز المكان والزمان، حاجز البحر والبُعد عن الإيقاع والصخب، حاجز البيئة الجبلية والرياح العاتية، ليجدن أنفسهن في عالم متعدد النكهات، متعدد الثقافات.
إيقاع مسقط غير إيقاع مسندم. والبيئة التي نشبت بأظافرها في شخصية الفتاة من مسندم يجب أن تجد لها فكاكا عنها في مكان وزمان لا يقبلان طابعا محددا فحسب.
سطرتُ في تلك الأوراق معاناة الفتيات القادمات من بيئتي المنفصلة عن بقية مناطق السلطنة جغرافيا. إن الانتقال محطة هامة في تاريخ المناطق التي نأت بنفسها عن الضجيج الثقافي المتنوع، رغبت أن أضع بين يدي كل فتاة تشبه ظروفها ظروفي، أنقل لها تجربتي ومعاناتي، وكيف تمكنت من تجاوز العقبات، دون إخفاقات أو تنازلات عن المبادئ التي أتيت بها من محيطي المتحفظ بعاداته العريقة.
بالطبع وما عسى لأوراق محدودة أن تسطر تجربة سنين من العمل المضني، ولكن للقدر الضئيل أحيانا إشراق يضيء بمقدار كاف. لقد حمل الكتاب القليل مما واجهته من صعاب، والتقدير الذي أنتظره هو عندما تستفيد منه كل مَن تمر بذات الظروف التي مررتُ بها.
ألاحظ في تأليفك التالي بعنوان “أوراق إعلامية” أن التأملات والخواطر هي اللغة التي تخاطبين بها القارئ، فهل تصلح اللغة العاطفية لتكون أداة مخاطبة لتحقيق التأثير الإعلامي؟
شخصيا، أجدها غاية في الأهمية!
القارئ والمستمع والمشاهد على حد سواء، جميعهم في حاجة إلى اللغة العاطفية.
الرسالة التوعوية تجد لها القلوب مفتوحة فيما إذا كان الخطاب خطاب العاطفة.
الإرشاد النفسي والسلوكي، والتربوي أيضا في حاجة إلى لغة العاطفة.
إنها تجد في الناس تأثيرا أقوى من اللغة الجامدة.
إنها لغة قادرة على إحداث الفرق، وتنتهج مجموعة من المدارس الإعلامية لتبنيها لتحقيق التأثير في المتلقي.
حسنا.. تسع سنوات من الخبرة الإعلامية في جريدة عُمان نجدها مطبوعة في كتاب هو عبارة عن مقالات الدكتورة التي نشرتها خلال هذه الفترة، لماذا أسميتها “دروازة”؟
كما تعلمين، نحن العمانيين نطلق على أبواب منازل حاراتنا الأثرية إسم “دروازة”، والجميع سمع عن أشهر “دروازة” في السلطنة، وهي “دروازة مطرح”.
تمنيتُ يوما أن أكتب عنها..
أعشق التفاصيل الصغيرة والمتعلقة بتراثنا..
وعندما قررتُ أن أضع تجربتي الإعلامية على هيئة حروف وكلمات من ألف باء وجيم ودال..
انبثق في فكري أن أطلق عليه “دروازة”، لتكون بابا يلج إلى مداخل التجربة الإعلامية التي عاصرتها على مدى تسع من السنين. ومن جهة أخرى، تذكر شباب هذا الجيل بتراثهم التليد ومسميات أجدادهم التي تشبه النوت الموسيقية الخالدة.
في كتاب “الأدوار التنموية لوسائل الإعلام العمانية”، قدمتِ دراسة تحليلية شاملة لما تمارسه المهنة الإعلامية من دور تنموي. ما الدافع وراء هذا المشروع؟
سنوات من البحث والتحليل التي قضيتها في أروقة الجامعة لتحضير الدكتوراه في الإعلام،بتخصص “تواصل إداري” سطرتها في هذا الكتاب، وحيث أن تخصصي هو التواصل الإداري تحديدا، وهي من التخصصات ليست كثيرة، وحيث أن الدراسة كانت تحمل عنوان “دور وسائل الإعلام العمانية في تنمية المجالات الثقافية والاقتصادية والسياسية”، وكنت قد رصدت فيها رأي المشاهد والمستمع والقارئ لوسائل الإعلام العمانية وكيف استطاعت أن تنمي وعي وتوجهات وثقافة الفرد من خلال ما تبثه، وتُرى هل استطاعت أن تؤدي مسؤولياتها التي لأجلها انطلقت، والمدى الذي بلغت به استفادته من تلك الوسائل الإعلامية العمانية، فضلت ألا تظل في رفوف الجامعة، لذا أخرجتها عبر هذا الإصدار لترى النور.
أتوقع أن تفيد هذه الدراسة التحقيقات التي ترغب في تناول دور الاعلام العماني في قطاع التنمية.
دراسة هامة للغاية، أتفق معك. ما هي أبرز التوصيات أو النتائج التي توصلتِ إليها في هذا العمل؟ وهل ترين أنها تُطبّق اليوم على أرض الواقع؟
دعيني أحدثك عن توصية عزيزة على قلبي..
إنها تتمثل في ضرورة سكب المزيد من الاهتمام في رصد اهتمامات العمانيين من البرامج التثقيفية ذات نكهة الهوية العمانية، إضافة إلى توصية تتعلق بالحفاظ على مكتسبات الوطن العزيز. والتي تبرز من خلالها الهوية العمانية
وجدتُ من خلال هذه الدراسة أن التركيز ينبغي أن يُصب على المفردات السياحية التي تستحق أن تكون في قائمة الأولويات.
إجمالا يمكن القول أن التوصيات تدور مدار يهم الشارع العماني بالدرجة الأولى ينبغي أن يظهر في الوسائل الإعلامية المتنوعة.
ولكي يصل القارئ والباحث إليها سريعا، أفردتها كلها في خاتمة الكتاب.
أنت تتحدثين عن الإعلام بصفته رافعة للتنمية كما يبدو..
برأيكِ.. هل تقوم وسائل الإعلام العمانية اليوم بهذا الدور؟ أم ما زالت حبيسة النمط الرسمي؟
لا أكتمك سرا..
لا يزال الإعلام العماني بعيد بدرجة ما عن ممارسته لدوره تجاه التنمية، بحيث أنك لا نجد فيه ما يميزه بصفته سلطة رابعة.
إنه إعلام يتسم في بعض جوانبه بالخجل إلى اليوم لا يقتحم الأبعاد التنموية ومدى نجاح الجهود في تحقيقها. لدينا ملفات ساخنة تتعلق بأبعاد تنموية مختلفة، ولا يبدو من الإعلام الرسمي بأنه يرغب في تناولها وطرح التساؤل عما تم التحقق فيها من منجزات أو إخفاقات ولماذا؟
سؤال “لماذا” يبدو وكأنه مغيب ولا يعجب الإعلام العماني.
هل ترين أن الإعلام الجديد (الرقمي) قادر على ملء الفجوات التنموية التي قد لا تصل إليها الوسائل التقليدية؟
لا أظن ومتوقع مني أن أجيب بالنفي!
لا شك أنه يمتلك مقدرة هائلة ليس فحسب على سد الفجوة التنمية، وإنما تخطي الإعلام الحالي بوسائله التقليدية إلى آفاق أرحب.
اليوم منصة x تزدحم بالأخبار التي لا تستهلك وقت القارئ، وتضج بمقاطع الفيديو، لذا فرسائله تؤثر في الناس بشكل أقوى كما لا يخفى ذلك على أحد منا. لا شك أن التعويل على وسائل التواصل الاجتماعية لتلعب دور إعلامي بارز خلال الحقبة القادمة مما لا مفر منه.
تضمن كتابك الأخير ملحق حول قانون الإعلام.. هل ترين أن الصحافة العمانية اليوم تمارس دورها الرقابي والإعلامي كما يجب؟ أم ما زالت أمامها تحديات تتطلب تجاوزها؟
الصحافة العمانية على بُعد خطوات من أن تكون قادرة على ممارسة دورها الرقابي والإعلامي، إلا أن هذه الخطوات لم تخطوها بعد، وليس معروفا تحديدا متى سيتم قطعها!
نجاح الإعلام العماني كامن في الضوء الأخضر الذي يُمنح له لكي يتطرق إلى مختلف القضايا ويقتحم شتى الميادين من أجل نهضة تنموية شاملة.
أود أن أختم هذا الحوار الطويل مع الدكتورة خديجة بهذا السؤال:
كيف ترين مستقبل الإعلام العماني في ظل التحولات التكنولوجية والتحديات الاقتصادية والاجتماعية؟
هل تمانعين أن أجيب عن تساؤلك بكلمة واحدة؟
إنها..
“ليس بخير”!
فلا تزال أمامه تحد يتمثل في مواكبة المتغيرات..
والتحد الآخر الذي يواجه الاعلام بإيقاعه الحالي هو:
التطرق إلى المستجدات محليا وعالميا، ليس فحسب بمنحه صلاحيات التغلب على هذين التحديين، وإنما تشجيعه على اقتحامهما. هذان التحديان فرصتان قابلتان لأن تصبح نقطتي ضعف أو قوة. والاعلام العماني هو وحده عليه أن يقرر متى يريد أن يقلبهما إلى نقطتي قوة.
o وأنا ألملم أوراقي..
دكتورة اسمحي لي أن أسألك السؤال الذي يُعرف بسؤال الوداع على أـمل اللقاء..
إنه السؤال التالي:
ما الذي تطمح إليه الدكتورة خديجة الشحية في المرحلة القادمة؟ هل من مشاريع قادمة في التأليف أو الإعلام أو حتى التدريب؟
ترقبي مزاولتي لمهنة التدريب!
بالطبع ليس هذا التدريب بمنقطع الاتصال مع الاعلام، وإنما هو في الحقل الإعلامي تحديدا.
كان لي حراك خاص في مجال التدريب الإعلامي فلقد حصلت على شهادة في تنمية مهارات المدربين من وزارة التعليم العالي والتي تتيح لممارسة التدريب وتقديم الدورات التدريبية.
هذا بالنسبة إلى الجديد الذي يتجاوز التوقعات..
وأما الإصدارات القادمة فلن تتوقف..
لعلي أتمكن من إبراز الإصدار الرابع خلال معرض مسقط الدولي القادم بإذن الله.
أسعى لأن يتنفس بحر مسندم في قلمي عن تباشير هبوب رياح تحمل عشقا مزمنا تحيل المستحيل إلى ممكن. أسعى لأخرج بقايا العزلة ولنا رب يصنع المستحيل دوما تبارك وتعالى.



























