الصحوة – عبدالله الريسي
في عالمٍ يزدحم بالضغوط والتفاصيل، يظل السفر أحد أكثر التجارب عمقًا وقدرةً على تجديد الروح وفتح آفاق التفكير. بين جبال أوروبا وسواحل آسيا ووديان إفريقيا، يمضي الرحّال سلطان الريسي في رحلةٍ لا تنتهي بحثًا عن الجمال والمعنى، مؤمنًا بأن الترحال ليس مجرد حركة بين الدول، بل عبور نحو الذات واكتشاف لعظمة الخالق في تنوع الخلق.
في هذا اللقاء، يشاركنا الريسي محطات من مسيرته، والمواقف التي علّمته كيف يكون السفر مدرسة للحياة، وتجربة تُغذي الروح قبل العين.
س: بدايةً نرحّب بك الرحّال سلطان الريسي، وسعيدون بهذا اللقاء الجميل. حدّثنا عن بدايتك مع السفر، كيف كانت أول تجربة لك، وماذا يعني لك الترحال؟
ج: كانت البداية بسيطة لكنها غيّرت مسار حياتي. رحلتي الأولى كانت إلى الجبل الأخضر داخل سلطنة عمان، وهناك اكتشفت أن السفر ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل هو حالة من السلام الداخلي والتأمل في عظمة الخلق. منذ تلك اللحظة أدركت أن الترحال هو جزء من هويتي، ونافذتي التي أطل منها على العالم بروحٍ حرة وعاشقة للطبيعة.
س: ما الدافع الذي يجعلك تستمر في السفر والتنقل بين الدول رغم التعب وتغيّر الظروف؟
ج: الدافع الحقيقي هو الشغف المستمر بالاكتشاف والتجدد. السفر بالنسبة لي تجديد للروح قبل أن يكون متعة بصرية. أبحث في كل رحلة عن لحظة صدق مع نفسي، عن منظر طبيعي يأسر القلب، وعن ثقافة مختلفة تُضيف لوعيي ونظرتي للحياة.
س: زرت العديد من الدول حول العالم، هل يمكن أن تذكر لنا أبرز الدول التي زرتها خلال السنوات الأخيرة؟
ج: نعم، بحمد الله زرت حتى الآن أكثر من خمسين دولة حول العالم. من أبرزها: ألمانيا، سويسرا، النمسا، بريطانيا، بولندا، فرنسا، سلوفينيا، سلوفاكيا، النرويج، البوسنة، كرواتيا، الصين، اليابان، تايلند، جنوب إفريقيا، إضافة إلى دول متعددة في أوروبا وآسيا وأفريقيا. كل دولة منها منحتني تجربة فريدة، لكن القاسم المشترك بينها جميعًا هو جمال الطبيعة وروعة الهدوء الداخلي الذي أبحث عنه دائمًا.
س: من بين تلك الدول، أيها ترك فيك أثرًا خاصًا؟ ولماذا؟
ج: النرويج بلا شك. هي لوحة فنية مرسومة بالثلوج والمياه والجبال. هناك شعرت أني أعيش في عالم خارج الزمن. نقاء هوائها وهدوء مدنها جعلاني أكتشف معنى الصفاء الحقيقي، فهي ليست مجرد دولة جميلة، بل تجربة روحية تُعلّمك التواضع أمام عظمة الطبيعة.
س: ما أكثر المواقف التي لن تنساها خلال رحلاتك؟ سواء كانت مضحكة أو مؤثرة.
ج: هناك موقف لا أنساه أبدًا حدث أثناء رحلتي إلى البوسنة. كنت أقف أمام أحد الشلالات الضخمة أصور مشهدًا طبيعيًا خلابًا، وفجأة انزلقت الكاميرا من يدي وسقطت في الماء. للحظة شعرت أني فقدت كل تلك الذكريات التي وثّقتها، لكن المفاجأة كانت حين قفز أحد السياح المحليين بشجاعة والتقطها لي قبل أن تغرق. كانت لحظة تختصر جمال السفر: أنه حتى في لحظات الفقد تجد من حولك روح المساعدة والإنسانية. منذ ذلك اليوم، أصبحت أقول إن أجمل ما في السفر ليس المكان، بل المواقف التي تذكّرك بأن العالم ما زال بخير.
س: الرحالة يواجهون أحيانًا مواقف صعبة أثناء السفر مثل ضياع الأمتعة أو مواجهة تحديات لغوية، هل مررت بمواقف من هذا النوع؟ وكيف تعاملت معها؟
ج: بالتأكيد، السفر ليس دائمًا مثاليًا. ضاعت أمتعتي مرة أثناء إحدى رحلاتي إلى ألمانيا، واضطررت للبقاء يومين دونها. لكني تعاملت مع الموقف كفرصة للتعلّم، وتأكدت أن الترحال لا يحتاج سوى عقل هادئ وقلب خفيف. منذ ذلك اليوم أصبحت أحمل حقيبة صغيرة تضم كل ما لا يُستغنى عنه، وأبتسم لأي طارئ مهما كان.
س: كيف تختار وجهتك الجديدة؟ هل تعتمد على خطط مسبقة أم تترك للمغامرة نصيبها؟
ج: أعتمد على مزيج بين التخطيط والحدس. أبحث دائمًا عن الوجهات التي تجمع بين الجبال والمياه والثلوج، فهي أكثر ما يلامس روحي. ومع ذلك، أترك مساحة للمغامرة، فبعض أجمل محطاتي كانت قرارات في اللحظة الأخيرة قادتني إلى أماكن لم أكن أخطط لها أبدًا.
س: برأيك، ما الذي يجعل كل رحلة مختلفة عن الأخرى؟
ج: الإنسان الذي تكونه أثناء الرحلة. في كل مرة تسافر فيها، تتغير نظرتك للعالم ولنفسك. الرحلات ليست فقط لاكتشاف الأماكن، بل لاكتشاف الذات. ربما تزور المكان ذاته مرتين، لكنك لن تكون الشخص ذاته في كل مرة.
س: السفر أصبح حلمًا للكثير من الشباب، ما نصيحتك للشباب العماني الراغبين بخوض تجربة الترحال؟
ج: نصيحتي أن يبدأوا من هنا، من داخل عمان، فبلادنا لوحة غنية بالجمال الطبيعي والتنوع الجغرافي. ثم حين يخرجون للعالم، فليحملوا روح المسافر الباحث عن المعنى لا مجرد السائح الباحث عن الصورة. السفر ليس ترفًا، بل تجربة تصنع الشخصية، وتبني فيك التواضع والحكمة.
س: ما هي الدول التي زرتها مؤخرًا؟ وكيف كانت تجربتك فيها؟
ج: مؤخرًا زرت النمسا وسويسرا وسلوفينيا، وكانت تجربة تفوق الوصف. الجبال هناك شاهقة كأنها تحرس السماء، والأنهار تعكس نقاء الروح. أكثر ما شدّني هو احترام الناس للطبيعة ونظافتهم في التعامل مع المكان، فشعرت أن الجمال هناك ليس صدفة، بل ثقافة يعيشها الناس يوميًا.
س: وأخيرًا، ما وجهتك القادمة؟ وهل هناك بلد تتمنى زيارته لم يتحقق بعد؟
ج: الوجهة القادمة بإذن الله ستكون إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهي من الدول القليلة التي لم أزرها بعد. أود أن أستكشف طبيعتها الواسعة، من الجبال الأمريكية إلى الغابات الوطنية والبحيرات العظمى. أشعر أن تلك الرحلة ستكون فصلًا جديدًا في مغامراتي، وأتطلع لأن أعيش فيها تجربة مختلفة تمامًا عمّا عرفته من قبل.


























