الصحوة – علي الحداد
من نور العدل وُلد الشعر، ومن وجدان الإمام خُطَّ التاريخ
في تاريخ عُمان، هناك لحظات لا تصنعها السيوف وحدها، بل تصوغها الأرواح الكبيرة.
ومن بين تلك اللحظات، يشرق اسم الإمام سعيد بن أحمد بن سعيد البوسعيدي،
ابن الإمام المؤسس أحمد بن سعيد البوسعيدي، باني الدولة البوسعيدية التي رفعت راية الوحدة والعدل.
ورث الإمام سعيد من أبيه هيبة الدولة ونور العدالة، وأضاف إليهما ما لا يُورّث .. روح الشاعر.
كان إمامًا في الحكم، وأديبًا في الوجدان، جمع بين وقار الإمامة ورهافة الإبداع،
فصار في التاريخ صفحةً لا تُقرأ بالعقل فقط، بل تُحسّ بالقلب أيضًا.
الرستاق .. حين تعانق الجبال همسَ العدل وترتّل القصيدة
اختار الإمام سعيد الرستاق مقرًّا لعاصمته، لأنها ليست حجارةً وحصونًا فحسب،
بل ذاكرةُ العدل الأولى ومهبطُ الفكرة البوسعيدية.
وفيها شيّد حصن المنصور، تحفةً من العمارة العُمانية تتجلّى فيها الأصالة والبراعة،
كأنّ كلّ برجٍ فيها بيتٌ من أبيات الشعر، وكلّ بابٍ قافيةٌ من قوافي المجد.
كانت الرستاقُ في زمن الإمام سعيدٍ كوترٍ مشدودٍ بين الجبل والسماء،
تعزفُ على صخرها الريحُ أنشودةَ الثبات،
ويُصلي في ظلالها العدلُ صلاةَ الديمومة،
فلا يُسمع فيها إلا همسُ القلوب إذا عدلت، وصوتُ التاريخ إذا كتب.
كان الإمام سعيد يرى في الحكم أمانةً تُؤدّى، لا سلطةً تُمارس،
وفي العدالة نفَسًا من الإيمان لا ينقطع.
يقف بين الناس لا حاكمًا يعلو عليهم، بل أبًا يحنو إليهم،
يَزِن الأمور بميزان النور والبصيرة،
ويقول بفعله قبل قوله .. إنّ العدل لا يُزرع في النصوص، بل ينبت في الضمائر الحيّة.
السيد حمد .. نَسغُ الجبل ونبضُ البحر
من بين الجبال خرج الابن النجيب السيّد حمد بن الإمام سعيد، يحمل من أبيه العزم ومن البحر الحلم.
أرسله والده الإمام إلى مسقط، فكانت تلك الخطوة لحظة تحوّل في التاريخ العُماني.
لقد جعل من مسقط عاصمة البحر والتجارة والعمران، وأعاد إلى المرافئ روحها المشرقة.
شيّد بيت الفلج في روي، وبنى حصن بركاء وحصن قريات، وزوّدها بالمدافع والسفن،
وأمر بصناعة البوارج في بورما وزنجبار، لتكون لعُمان كلمةٌ على الموج كما لها هيبةٌ على الأرض.
كان يؤمن أن البحر شريك الدولة لا حدودها، وأن السفينة رسالة من عُمان إلى العالم.
أحبّه الناس لأنه كان قريبًا منهم، يتجوّل في البلاد مرتين في السنة،
يستمع إلى الناس لا من فوق الكرسيّ، بل من قلب الميدان،
فصار رمزًا للعدل المتواضع، وكوليّ عهدٍ حمل في قلبه ملامح النهضة.
حين بكَى الوطنُ بصوت الإمام
لكنّ العمر لا يطيل وقوفه عند القمم.
أصاب المرضُ السيّد حمد، فاختطفه القدر سنة 1792م.
وفي تلك اللحظة، لم يبكِ الأب ابنه فحسب، بل بكى الوطنُ حلمَهُ المؤجَّل.
انسكبت دموع الإمام شعرًا خالصًا، فكانت قصيدته الخالدة:
وافي حمامك يا حبيبي بالعجل
نارٌ تلهب في ضميري تشتعل
يا من له شرفٌ وفضلٌ في الورى
أمسى وحيدًا مفردًا دون الأهل
إنها ليست أبياتًا، بل نشيج إمامٍ فقد نفسه.
فيها وجعُ الأب، ودمعةُ الوطن، وصدى العدل وهو يخفت بخشوع الحزن.
ثم جاءت قصيدته الأبدية التي تجاوزت الزمن والمكان:
يا من هواه أعزّه وأذلّني
كيف السبيل إلى وصالك دلّني
تركتني حيران صبًّا هائماً
أرعى النجوم وأنت في نومٍ هني
غنّاها الناس حبًّا، وردّدها الأدباء رمزًا.
فهي في ظاهرها غزل، وفي باطنها حديث الحاكم مع الوطن الذي أحبّه حتى الفناء.
تُظهر شوقًا للحلم الذي يبتعد كلّما اقترب، وتبوح بسرٍّ عميق
أن الحبّ مثل الحكم، لا يُمنح إلا لمن يستحق الصبر.
إمامٌ يكتب بالعدل كما يكتب الشعر
كان الإمام سعيد مدرسةً في الإنسانية قبل السياسة.
إيمانه لا يعرف التشدّد، وعدله لا يعرف الممالأة، وشعره لا يعرف الزخرف.
جمع بين رهافة الحسّ وقوة الإرادة، وبين روح المصلح ووجدان الفنان.
في زمنه ازدهرت الثقافة، وتجدّدت العمارة،
وتجلّى في الرستاق ذلك المزاج العُمانيّ الفريد،
حكمة الجبل، وسماحة الإيمان، ونقاء الكلمة.
حين صار الحجرُ بيتَ قصيدة .. وصار العمرانُ لغةَ الجمال
كلّما ارتفع حصنٌ من حصون الرستاق، كان يُردّد صدى الإمام وكأنه بيتٌ من قصيدة.
وهكذا كانت الحصون التي بناها رموزًا لعدالةٍ متجسّدةٍ في الحجر،
وكانت قلاع مسقط التي شيّدها ابنه السيد حمد امتدادًا لتلك الروح العمرانية التي تجمع بين القوة والجمال.
ما بين العدل والشعر والبحر، تمتدّ عُمان كقصيدةٍ لا تنتهي.
كلّ موجةٍ تردّد شطرًا من تاريخها،
وكلّ حصنٍ يقيم قافيته على صخرٍ من الإيمان.
وإذا مرّ النسيم على الرستاق، حمل معه رائحة المداد والبحر والذكريات.
الغيابُ حضورٌ آخر .. وصوتُ الإمام لا يزال يُغنّى في الذاكرة
رحل الإمام سعيد سنة 1810م، غير أن حضوره بقي في الذاكرة.
بقيت كلماته تسكن اللسان العُماني، وبقي شعره يُتلى في المقاهي والمجالس والقلوب.
وحين يُغنّى يا من هواه أعزه وأذلّني .. في أي مكانٍ من الوطن العربي،
يتردّد صدى الرستاق، وصوت الإمام، ودمعة السيّد حمد، ونبض التاريخ.
خاتمة النور .. من العدل ركن الدولة، ومن الشعر خُلّدت عُمان
هكذا تمتدّ السلالة البوسعيدية بالفكرة والنهج،
من الإمام أحمد المؤسس الذي جمع الناس على راية العدل،
إلى الإمام سعيد الأديب والشاعر الذي أضفى على الدولة روح الفنّ،
إلى السيّد حمد الذي فتح للنهضة البوسعيدية العمانية أبواب البحر ومسقط.
ثلاثيةٌ من النور .. العدل، الشعر، البحر.
ومنها قامت عُمان، وظلّت رايتها مرفوعة لا بالحديد، بل بالإيمان والجمال.
سلامٌ على الإمام سعيد بن أحمد،
وسلامٌ على ابنه السيّد حمد،
وسلامٌ على الرستاق ومسقط،
وسلامٌ على عُمان التي لا تزال كلّما تنظر إلى البحر تقول:
ها هنا بدأ المجد، ومن هنا غنّت القصيدة.



























