الصحوة : علي الحداد
وُلِد صاحبُ السموّ السيّد طارق بن تيمور في مدينةٍ تُشبه بوابةً بين حضارتين ،إسطنبول التي تلتقي فيها ملامحُ الشرق بظلال الغرب، وتختلط في أحيائها اللغات والألوان، فتتشكل في الذاكرة الأولى بذورُ الانفتاح، واتساعُ الأفق، وحسُّ العالم الكبير. وهناك، في المدارس التي جمعت بين الطابع التركي والنَفَس الأوروبي، تكوّنت بداياتُ عقلٍ سيحمل لاحقًا رؤيةً أوسع من حدود زمنه.
وحين انتقل إلى ألمانيا، ازداد أفقه امتدادًا، فقرأ الحياة بلغاتٍ أربع، وتعرّف على أنماط الحكم والإدارة الحديثة، واحتكّ بفنون التنظيم والمدينة، حتى غدا يحمل في مسلكه رصانةَ الأوروبي وانضباطَه، وعمقَ الشرق وحكمتَه. وكانت تلك اللغات وتلك التجارب المتراكمة نواةَ ثقافةٍ واسعة، ونظرةٍ فاحصة إلى ما يمكن أن تكون عليه الدولة حين تُبنى على العلم والنظام والمعرفة.
عاد إلى عُمان شابًا ليُدخل على الزمن فكرةً جديدة. وحين أُسندت إليه مسؤوليات البلديات، لم يرَ المدن طرقاتٍ وأبنيةً فحسب، بل رآها بيئةً يجب أن تُهذّب، ووجوهًا ينبغي أن تُكرَّم، وعمارةً يمكن أن تتجاوز طابعها القديم إلى شكلٍ أكثر انتظامًا وبهاء. فعمل على تحسين الجوانب البيئية، وتنظيم الأسواق، وتطوير تصريف المياه، وتشجيع الناس على العناية بالطرقات والمسارات، كأنه يزرع في قلب المدينة روحًا جديدة، ويُمهّد لظهور ملامح عُمان التي ستولد بعد سنوات قليلة.
لكن صاحب السمو السيّد طارق لم يكن رجلَ المدينة وحدها، بل رجلَ الميدان أيضًا. سار في الوديان والقرى، وعرف القبائل وطبائعها، وقَرَّبته الطرق الطويلة إلى وجوه الناس، فقرأ فيهم نبضَ المجتمع، ورأى في العادات والأعراف قوةً يجب أن تُفهم وتُحترم. واكتسب من تلك الرحلات حكمةَ التعامل مع الواقع، ومهارةَ الإصغاء للشيوخ والأعيان، وقدرةً على بناء روابط متينة تقوم على الاحترام والثقة، فصار اسمه مألوفًا في المجالس، قريبًا من القلوب، حاضرًا في المواضيع التي تحتاج إلى رأيٍ صادقٍ وحكمةِ قائد.
وفي داخله كانت تنمو فكرةٌ أكبر من مسؤوليات بلدية أو جولاتٍ ميدانية. كانت تتشكّل رؤيةٌ إصلاحية هادئة، ترى أن مستقبل البلاد يحتاج إلى دولةٍ واضحة البنيان، وإلى مؤسسات تُقام على القانون والمعرفة، وتعليمٍ يُفتح للجميع، وصحةٍ تمتد إلى أبعد قرية، وبنيةٍ أساسية تجعل الوطن قادرًا على اللحاق بالعصر. ومع مرور السنوات ازداد هذا التصور نضجًا، حتى غدا مشروعًا سياسيًا متكاملًا، يستند إلى ثقافة دستورية واسعة، واطلاعٍ على تجارب الأمم، وإدراكٍ للتوازن بين الأصالة ومتطلبات الحداثة.
جاء عام 1970 حاملًا لحظةً مفصلية في تاريخ عُمان، وانطلقت النهضة التي انتظرها الشعب طويلًا. وفي الأيام الأولى من العهد الجديد، عاد صاحب السمو السيّد طارق إلى مسقط ليقف في الصف الأول من مسيرة بناء الدولة الحديثة، ويتولى أولَ رئاسةٍ لمجلس الوزراء. كانت المهمة جسيمة، بلادٌ تفتح أبوابها بعد سنواتٍ طويلة من السكون، وحكومةٌ تتشكّل من الصفر، وطرقات ومدن تحتاج إلى ملامح جديدة، وعلاقات خارجية تتطلب إعادة صياغة كاملة. ومع ذلك، مضى السيد طارق بثقة، يشكّل الوزارات واحدةً تلو الأخرى، ويضع الهياكل الإدارية، وينظّم شؤون الدولة، ويفتح نوافذ التعاون مع العالم، مانحًا المرحلة الأولى من النهضة ملامحها الواضحة ومساراتها الأساسية.
وعندما وقف ممثلًا لعُمان في الأمم المتحدة عام 1971، لم يكن ذلك مجرّد ظهورٍ دبلوماسي، بل لحظةَ اكتمال دائرةِ حلمٍ راوده طويلًا ، أن يرى بلاده بين أمم العالم، بشخصيتها المستقلة، وعمقها التاريخي، وصوتها الذي غاب طويلًا ثم عاد قويًا وواثقًا.
وبعد سنواتٍ من العمل التنفيذي، انتقل إلى موقع المستشار السياسي الخاص، مشرفًا على العلاقات الخارجية والسفارات، مشاركًا في تأسيس البنية الدبلوماسية والمالية للدولة، حاضرًا في كل خطوة تتطلب حكمةً وخبرةً وبصيرةً عميقة. كان يتعامل مع الدولة الحديثة كما يتعامل الأب مع ابنه: بصبرٍ، وحكمةٍ، ووعيٍ بما يحتاجه لينمو بثباتٍ واتزان.
وحين رحل السيّد طارق عام 1980، بقيت سيرته كأنها كتابٌ مفتوح على مرحلة التحوّل الكبرى التي شهدتها البلاد. رجلٌ جمع بين القوة والهدوء، وبين صرامة القرار وعمق الفهم، وبين خبرة الميدان وانفتاح الثقافة، وبين الحكمة المتأصلة في الأرض العُمانية والأفق الواسع الذي اكتسبه من مدن العالم.
ولأن الأسماء الكبيرة لا تموت، ولأن الرجال الذين يصنعون بدايات الأمم يظلون جزءًا من ذاكرة الوطن وروحه، فإن اسم صاحب السمو السيّد طارق بن تيمور يعود اليوم ليُشرق في أفقٍ جديد، بوصفه امتدادًا حيًا لدورٍ مؤسّسٍ أسهم في رسم ملامح الدولة الحديثة.
وبعد عقودٍ من رحيله، تبقى بصماته واضحة في بناء مؤسسات الدولة، وفي الرؤية التي انطلقت منها النهضة العُمانية، وفي الجيل الذي يستلهم من سيرته معنى الريادة التي لا يغيبها الزمن.
وفي سياق تخليد إرثه الوطني العميق، أصدر ابنه البار حضرةُ صاحبِ الجلالةِ السلطان هيثم بن طارق المعظّم – أيّده الله – أوامرهُ السامية بتسمية مشروع مجمّع عُمان الثقافي باسم مجمّع السيّد طارق بن تيمور الثقافي . خطوةٌ تحمل في جوهرها اعترافًا راسخًا بالدور المؤسّس الذي اضطلع به المغفور له – بإذن الله تعالى – صاحبُ السموّ السيّد طارق بن تيمور في مرحلة بناء الدولة الحديثة.
وليس الاسم هنا مجرّد عنوانٍ يُزيّن صرحًا ثقافيًا، بل امتدادٌ لروح سيّد أسهمت رؤيتُه في فتح أبواب البلاد على العصر، وأرست جهودُه اللبنات الأولى لدولةٍ تُدار بالقانون، وتنهض بالعلم، وتنفتح على العالم بثقةٍ ورصانة. إن إطلاق اسمه على هذا المجمّع الثقافي الكبير يأتي ليجسّد ارتباط الماضي المشرق بالحاضر الطموح، ويُرسّخ في ذاكرة الأجيال معنى الوفاء لرجالٍ صنعوا التحوّل وبنوا البدايات.
وهكذا يغدو المجمّع، بما سيحتضنه من فنونٍ ومعرفة وإبداع، شاهدًا حضاريًا على إرث السيّد طارق، ومنارةً ثقافيةً تعكس ما أراده لعُمان من مكانةٍ بين الأمم، وما حلم به للوطن من إشعاعٍ يتجاوز الجغرافيا ويمتد أثره إلى العالم.
وفي ختام هذا المسار الذي خطّه بجهده وحكمته، تبقى الكلماتُ أقلَّ من أن تفي رجلًا بحجم أثره ،ومع ذلك ظلّ الشعرُ عبر العصور لسانَ الوفاء، فكانت هذه الأبيات شاهدًا على مكانته:
يا سُموَّ السَّيِّدِ الطَّاهِرِ الذي اتَّسَعَتْ
بِسْناهُ دُنيا العُلا فاستيقظتْ قِيَمُ
طارِقُ .. وما طارِقٌ إلّا مَهابَتُهُ
رُكنٌ إذا اضطربتْ في الناسِ مُعتَصَمُ
مَضَى، ولكنْ صَدَى أفعالهِ انْبَعَثَتْ
مِنهُ الفَخارُ، فَفاضَتْ نُورَهُ الأُمَمُ
ولَئِنْ نعاكَ الرُّواةُ اليومَ في أَسَفٍ
فَذِكرُ سَيِّدِ سُمُوٍّ مَجدُهُ يَدُمُ


























