نورة المالكية
إذا كان لمطرح طومسها فإن للحيل طومس آخر، إنه الطبيب الهندي عبد الله الذي وافته المنية 11/12/2018م بعد أكثر من عشرين سنة قضاها في عيادته في الحيل الشمالية بالسيب، عرفه أهل المنطقة كما عرف أهل مطرح وما جاورها الطبيب توماس المعروف بـ”طومس”، القادم إلى عمان 1939 ومكث أكثر من 60 سنة وهو يعالج المواطنين حسب ما تذكر المصادر التاريخية.
الطبيب عبد الله يعرفه القريب والبعيد، طبيب القلوب قبل الأجساد، متمثلاً ذلك في ابتسامته التي لا تفارقه وكأنها شفته التي يتكلم بها، والدواء الذي يطبب به الآلام والأمراض. اعتدنا أن نترك عيادات الدنيا لنذهب إلى عيادته منذ أن كنا صغارًا وهذا كلام صادر من آبائنا وأقاربنا، تلك العيادة التي لا تبعد عنا سوى كيلومترات بسيطة. وإلى جانب الامتيازات التي حصلت عليها عيادته كونها عيادة قديمة وقريبة من مساكن الحيل، إضافة إلى طبيبها المعروف بدماثة الخلق والاتزان، فإن العيادة منذ وقفت على أقدامها وإلى وقت قريب لا تكلف إلا خمسة ريالات للعلاج، في ظل تزايد ابتلاع العيادات الأخرى لفلوسنا بشكل مهول!
وامتياز آخر يحسب لهذا الطبيب أنه يعرف كيف يخفف من حدة الخوف لدى المرضى، فكل مرض هو بسيط وله علاج، فيقوم الطبيب أولاً بتهدئة المريض ويطمئنه، وبعدها يبدأ بعلاجه الذي يشهد الجميع على – رخص تكلفته – إلا أنه نافع بعد فضل الله.
لم نكن نعلم أن القدر يخبأ نبأ وفاته هذه السنة، وكأننا ظننا مثل خيال الأطفال أن الطبيب لا يمرض ولا يموت ولكن د. عبد الله أثبت لنا عكس ذلك، فقد داهمه الخبيث فأصبح غيابه عن العيادة واردًا والعمل فيها متذبذب، فأحضروا أطباء ليقوموا بدوره، لكن العيادة لم تصمد لغياب هذا الطبيب فأُغلِق بابها القديم برحيل صاحبها الكريم.
أحزن الجميع خبر وفاته، فارتفعت الأيادي تدعو له بالرحمة والمغفرة على ما قدمه من خدمة طبية لسنوات عديدة، غريبًا عن وطنه قريبًا في وطننا. ولن تنسى الذاكرة من ابتسم في وجهها كثيرًا، ورافقها سني طويلة وكتب الله على يدها الشفاء. لن تنسى الأرواح من علمها أن الإنسانية كل الإنسانية في الرحمة وليس الغلظة، وأن كسب القلوب ليس بالمال وإنما باللطف والسماحة، وأن
ن مهنة الطب شفاء النفس قبل شفاء الجسد، وليست مهنة تكَسُّب وتجارة من وراء ظهور الضعفاء.
فليغفر الله لك أيها الطبيب، الذي أحس كل بيت أنك طبيبه، ونرجو الله أن يسكنك جناته وأن يجزيك أجر ما داويت وعالجت وابتسمت. ونسأل الله أن يهب في الإنسانية طومس في كل زمان ومكان ليعيد لمهنة الطب روحها الحقيقية السامية، ومعناها الإنساني الأصيل، وليتعلم أطباء الدنيا قول الله تعالى: (مَنْ أحَيَاهَا فَكَأنَّما أحَيَا الناسَ جَميعًا) وأن العاقبة للمحسنين.




























