حصري للـ “صحوة” – حين كانت عُمان ترسم حضورها في الخليج والمحيط الهندي بقيادة الأئمة والسلاطين البوسعيديين، كانت أوروبا تتابع هذا الصعود في مراجعها الرسمية وموسوعاتها المتخصصة، وتُدرج اسم السلطنة ضمن الدول المؤثرة في ممرات التجارة العالمية. وبين دفاتر الدبلوماسيين البريطانيين، وموسوعات مثل «بريتانيكا»، والأعمال الكبرى مثل «غازيتير الخليج» لجون لوريمر، نقرأ صورة الدولة العُمانية كما ظهرت في الوثائق الأوروبية: دولة راسخة، ذات قيادة موحدة، ونفوذ بحري واسع يمتد من الخليج إلى شرق أفريقيا.
ورغم أن «Almanach de Gotha» كان مرجعًا أوروبيًا يركّز على الأسر الملكية في القارة، إلا أن وجود عُمان فيه — عندما تظهر في إصدارات معينة — كان يأتي بوصفها «سلطنة مستقرة» ذات حكم معروف، وحضور دبلوماسي معترف به في زمن كانت فيه أوروبا لا تعترف إلا بالقوى الوازنة. وإذا كان غوتا يصنّف الممالك الكبرى والأمراء، فإن مجرد إدراج اسم «سلطان مسقط وعُمان» في بعض الطبعات يعكس المكانة الدبلوماسية التي وصلت إليها الدولة البوسعيدية في ذلك الوقت.
الصورة الأكثر تفصيلاً تظهر في «غازيتير الخليج، عُمان والجزيرة العربية الوسطى» الذي أعدّه جون لوريمر لصالح حكومة الهند البريطانية. ورغم الطابع السري الذي كُتب به العمل، إلا أنه يقدّم واحدة من أهم الشهادات الأجنبية على قوة الدولة البوسعيدية وامتدادها البحري وتنظيمها الإداري. يصف لوريمر عهد الإمام أحمد بن سعيد بأنه لحظة «استعادة السيادة العُمانية» وترسيخ حكم موحّد أسهم في بناء قوة بحرية كبيرة أعادت تشكيل موازين القوى في الخليج.
أما موسوعة «بريتانيكا» العالمية فتقدّم سردًا واضحًا لصعود الأسرة البوسعيدية منذ مبايعة أحمد بن سعيد عام 1744، وتعتبر الدولة البوسعيدية إحدى أعرق الأسر الحاكمة في المنطقة، وتشير إلى دورها المحوري في تعزيز التجارة البحرية، وبناء علاقات دولية واسعة، وعقد معاهدات مع القوى الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
وتخصّ الموسوعة سعيد بن سلطان بذكرٍ بارز، باعتباره أحد أبرز القادة البحريين في القرن التاسع عشر، وتشير إلى توسع النفوذ العُماني ليشمل سواحل أفريقيا الشرقية، وتحويل زنجبار إلى مركز تجاري كبير يرتاده الأوروبيون والآسيويون والعرب.
وفي سجلات الأرشيف البريطاني، ومنها ملفات «الوكالة السياسية في مسقط» المحفوظة اليوم في المكتبة البريطانية، يظهر تقدير واضح لقدرة القيادة البوسعيدية على إدارة الدولة، وإبرام المعاهدات، وتنظيم العلاقات الخارجية، وتطوير الموانئ، وحماية طرق الملاحة. كما توثّق ملفات أخرى — مثل ملف «العائلة المالكة في مسقط» — احتفاءً بذكرى مرور مئة عام على تأسيس الدولة البوسعيدية، وهي مناسبة تتابعها الحكومة البريطانية في حينها بوصفها حدثًا تاريخيًا مهمًا لدولة حليفة ومستقرة.
وفي الموسوعات المتعلقة بالجغرافيا السياسية، مثل بريتانيكا ومدونات الرحّالة الأوروبيين، تظهر عُمان بوصفها «قوة بحرية عربية» تسيطر على واحد من أهم الممرات المائية في العالم — مدخل الخليج العربي ومضيق هرمز — وتدير شبكة علاقات واسعة تمتد من الهند إلى أفريقيا. كما تشير تلك الأعمال إلى أن السفن العُمانية كانت من الأكثر حضورًا في البحر الهندي، وأن سلاطين عُمان لعبوا دورًا استراتيجيًا في ضبط حركة التجارة الإقليمية.
وعلى الرغم من أن معظم تلك المراجع كُتبت من منظور خارجي، إلا أنها تكشف حقائق مهمة: أن الدولة البوسعيدية كانت دولة موحدة، مؤثرة، ذات علاقات دولية واسعة، واحترام كبير في الأوساط الدبلوماسية الأوروبية. وأن أوروبا — رغم اختلاف سياقاتها — نظرت إلى عُمان بوصفها شريكًا بحريًا وسياسيًا مهمًا، وقوة مستقرة في منطقة كثيرة التغير.
وهكذا يتضح أن قراءة المراجع الأوروبية القديمة ليست مجرد استعادة لرؤية الخارج، بل هي شهادة تاريخية على مكانة عُمان في زمن الإمبراطوريات، وعلى قدرة الدولة البوسعيدية على أن تفرض حضورها البحري والسياسي، حتى يصبح اسمها جزءًا من سجلات أوروبا نفسها.



























